ذكرى مأثرة الأيادي السود
بقلم عبدالله قيصر الخوري – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
في الذكرى السنوية السادسة لتفجير مرفأ بيروت، وما خلّفه من مآسٍ بشرية، من حيث جسامة سقوط الضحايا، بما يربو على المائتين والأربعين، وهول حجم المصابين الذين بلغوا الآلاف، ولا يزال كثيرون منهم يئنّون حتى اللحظة من وطأة الجروح، ترافقت بشاعة الحدث مع تدمير أكثر من ثلث العاصمة بيروت، وتشريد سكانها، وجعلهم هائمين على وجوههم من دون مأوى.
المسؤولية عن الكارثة
لا يغيب عن ذهن امرئ الدور الإجرامي لحزب إيران في تخزين مادة نيترات الأمونيوم الشديدة الانفجار، دون أدنى مراعاة علمية أو تقنية أو أخلاقية لجواز مجاورتها للأماكن العامة والآهلة، بشراكةٍ مطبقة مع نظام بشار الأسد السوري آنذاك، وما كانت حاجته إلى تلك المادة بغية استخدامها في إبادة شعبه.
من الكارثة إلى الدولة العميقة
وقبل الغوص في مجريات تلك الواقعة الحالكة السواد، والتي شكّلت جزءًا من كلٍّ لواقعٍ متفلّت أباحه حزب الولي الفقيه الفارسي في لبنان، والذي أُطلقت عليه لاحقًا تسمية “الدولة العميقة”، التي استباحت الحضارة وقِيَمها، وأخرجت لبنان من حاضرة الاحترام الكوني، وسلخته من الحاضنة الإقليمية، لا بد من التوقف عند البعد الأخلاقي والسيادي لهذه المرحلة.
استحضار نهج الإمام علي
أجزتُ لنفسي، بل سوّغتُ لها، أن أتوسل بمناجاة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وأن أستصرخه بنهجه القائم على قوله: “الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي والمستقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه.” كون تلك المرحلة غُيِّبت فيها الموازين القُسط، واستأثر بالحقوق أقوام، وضاعت، في زحام المصالح، حقوق البسطاء والمغدور بهم.
يا أمير المؤمنين، إننا نستحضر اليوم قِيَمك في نصرة المظلوم وإرساء دولة العدل والمساواة، وندعوك لتبقى حاضرًا في ضمائر البعض من أهل البيت، وبخاصة لدى من انصاعوا بكليتهم للولي الفقيه الفارسي، بعيدًا عن نبراس الضمير والعدالة.
جريمة وليست قضاءً وقدرًا
لم ينزل بنا تفجير الرابع من آب من العام 2020 من باب الصدف الاعتيادية التي نعزوها عادةً إلى القضاء والقدر، بحيث تنتفي الأسباب الجرمية، أو يخلو الحدث من فاعلٍ أو مطلق شرور. بل، على العكس تمامًا، فهو وليد رحم الآثام المتراكمة لأربعة عقود ونيف، حُبِل بها شراكةً من بويضات الهتك المُفرزة من نظامَي الملالي الإيراني والعلوي السوري، واستُكملت سفاحًا في ظل استهتار ما يُسمّى دولة، يرأسها من يستمد شرعيته من اتفاق مار مخايل، والذي صرّح، بعيد الانفجار، بلامبالاةٍ فاضحة، عن إحاطته علمًا بوجود النيترات قبل أسبوعين، ولضيق الوقت لم يبادر، كراعٍ، إلى تخليص الرعية من براثن حزب إيران.
تعطيل التحقيقات
أما بالنسبة إلى ما يُطلَق عليها أجهزة أمنية في تلك الحقبة، فكانت في حلٍّ من أي مبادرة قد تُغضب حزب المجوس وتثير حفيظته، وبدأت تتقاذف التهم تجنبًا للقصاص واللوم. وهذا ما أظهرته وقائع الأيام الخوالي، مع تعيين محققين عدليين اصطدموا بشراسة مبادراتٍ إجرامية أطلقها ما يُسمّى حزب الله، إجهاضًا لسبل معرفة الحقائق وسبر أغوار الوقائع والبراهين.
ضحايا الكارثة
تكاثرت وتعاظمت ضحايا تفجير الرابع من آب 2020، الذي صُنِّف أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ البشري، ويمكن تصنيفها على النحو الآتي:
أ- الضحية البشرية: بما تسببت به قوة الانفجار من آثار على الإنسان؛ فمنهم من قضى مباشرة، ومنهم من لا يزال يعاني حتى الآن تبعات حالته الصحية، بل إن هؤلاء أيضًا ضحايا مضاعفون بسبب عدم إماطة اللثام عن المجرم والمتواطئ.
ب- الضحية المكانية والجغرافية: العاصمة بيروت وضواحيها، وما تكبدته من دمارٍ وخراب.
ج- الضحية السببية والظنية: وتتمثل بكوكبة من الأشخاص الذين اغتالهم حزب إيران، لطمس حقائق كانت بحوزتهم، مثل جو بجاني “مصور وثائقي”، وجوزف سكاف، رئيس قسم الجمارك في المرفأ، ومنير أبو رجيلي “رئيس وحدة منع التهريب في الجمارك”، ولقمان سليم “ناشط سياسي وصحافي ومفكر”.
د- الضحية المعنوية: وكانت الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما العدلية منها، التي رضخت، إثر زيارة زجرية قام بها المدعو وفيق صفا، المطلوب، بحسب الكاتب، محاسبته سياسيًا وأمنيًا في قضايا شتى مثيرة للجدل.
في المحصلة، نحن اليوم أمام انقلابٍ رأسًا على عقب في موازين الاستبداد وفائض القوة، بعد أن جرّ حزب الدمار وثقافة الموت بيئته الحاضنة نحو النكبة والهلاك، باكتمال العناصر والفصول، وساهم، بالتالي، في تدمير مقومات الوطن، الذي شكّل له ولمرتزقته البقرة الحلوب حتى جفّ ضرعها ونضبت مواردها، ولا يتورع، وقاحةً، عن إشهار هويته الإيرانية وانتمائه العضوي والعقائدي للولي الفقيه الفارسي.
وبالرغم من كل ما تقدم، ماذا يبغون أكثر من وطن يحملون هويته ويتنكرون لها؟ وفي خضم هذا السؤال الكبير والحاسم: ماذا يريدون، بعدُ، من لبنان، بعد أن استحال، على أيديهم، هيكلًا عظميًا؟
أما المرتجى، فيتمثل بالعناية الدولية والإقليمية، يلاقيها تماسك الرئاسات والسواد الأعظم من الشعب، وسعيهم الدؤوب لدكّ معاقل الدويلة ومفاصلها وأوكارها، واستعادة ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير