بعد أكثر من قرن على سايكس بيكو

أعداؤنا لم يدخلوا فقط من حدودنا، بل تسلّلوا من عيوبنا

@kholoudwk

في قلب هذا المشرق، في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق، على الأرض التي عُرفت تاريخيًا ببلاد الشام وما جاورها، قامت حضارات تركت أثرها في العالم، وولدت أبجديات وأفكار وديانات، وعبرت شعوب وإمبراطوريات. أرض بهذا العمق التاريخي وبهذا الموقع الاستراتيجي كان يُفترض أن يكون إرثها مصدر قوة لشعوبها، لكن الجغرافيا التي منحتنا كل هذه الأهمية جعلتنا، في الوقت نفسه، ساحة دائمة لصراع المصالح والنفوذ.

منذ سايكس – بيكو وما تلاها، اعتدنا أن نبحث عن أصابع الخارج في كل ما أصاب منطقتنا، وليس في ذلك كثير من المبالغة؛ فالقوى الكبرى رسمت حدودًا، وأنشأت مناطق نفوذ، ودعمت أنظمة، وأسقطت أخرى، واستثمرت في تناقضاتنا حين اقتضت مصالحها. لكن بعد أكثر من قرن، لم يعد كافيًا أن نقول إن الآخرين قسمونا. السؤال الأكثر إيلامًا اليوم هو: ماذا فعلنا نحن بما بقي لنا؟ كيف تحولت الحدود السياسية إلى حدود داخل عقولنا ومجتمعاتنا، وكيف نجح المذهب والطائفة والعرق والحزب أحيانًا في أن يصبح أقوى من فكرة الوطن نفسها؟

ما نعيشه اليوم ليس أزمة حدود فقط، بل أزمة دولة وإنسان وهوية. في منطقتنا شعوب تُهجّر، وبيوت تُدمّر، وأطفال يتعلمون أسماء الأسلحة قبل أن يتعلموا أسماء العواصم، وشباب لم يعد أكبر أحلامهم أن يبنوا أوطانهم بل أن يجدوا طريقًا للخروج منها. نختلف على من انتصر ومن هُزم، فيما الحقيقة الأكثر قسوة أن الإنسان هو الذي يُهزم في كل مرة. يموت، ينزح، يفتقر، يخسر تعليمه ومستقبله، ثم يتحول بعد أيام إلى رقم في نشرة أخبار، بينما تستمر اللعبة وكأن شيئًا لم يحدث.

ولعل الأخطر أن خرائط هذا القرن لم تعد تحتاج دائمًا إلى سايكس وبيكو جديدين يجلسان إلى طاولة ويرسمان خطوطًا على الورق. الخرائط الحديثة يمكن أن تُرسم بالنفوذ السياسي والاقتصادي، بالسلاح والديون والفقر والنزوح، وبإضعاف المؤسسات حتى تصبح الدولة عاجزة عن حماية قرارها وحدودها ومواطنيها. وحين تتحول المجتمعات إلى طوائف ومذاهب وأعراق خائفة من بعضها، يصبح التحكم بها أسهل، ويصبح الخارج قادرًا على الدخول من كل نافذة فتحناها نحن باختلافاتنا.

هذا لا يعني تبرئة الخارج، ولا إنكار الاحتلال والاعتداءات والمصالح الدولية والإقليمية التي تتعامل مع منطقتنا كساحة نفوذ وممر استراتيجي ومخزن للثروات. لكن الحقيقة التي يجب أن نمتلك شجاعة مواجهتها هي أن الخارج يستفيد من ضعف الداخل. يدخل حين يجد دولة هشة، ومؤسسات مخترقة، وفسادًا محميًا، وطائفية تتقدم على المواطنة، وزعماء يحتاجون إلى الخارج أكثر مما يحتاجون إلى ثقة شعوبهم. لذلك كنت أقول دائمًا، وما زلت أؤمن أكثر بهذه العبارة اليوم: أعداؤنا لم يدخلوا فقط من حدودنا، بل تسلّلوا كالنمل من عيوبنا.

وأكبر خيانة يمكن أن نرتكبها اليوم ليست خيانة الجغرافيا وحدها، بل خيانة الإنسان. أن نعتاد رؤية الطفل خارج المدرسة، والشاب على أبواب السفارات، والعائلة تحمل حقيبة النزوح للمرة الثانية والثالثة، وأن يصبح صوت الطائرة جزءًا من يومياتنا والموت خبرًا عاديًا لا يوقظ فينا غضبًا ولا سؤالًا. الكارثة الحقيقية تبدأ عندما نتأقلم مع المأساة، وعندما يصبح غير الطبيعي طبيعيًا إلى درجة أننا نتوقف عن المطالبة بحياة تليق بنا.

بعد أكثر من مئة عام على سايكس–بيكو، ربما حان الوقت لأن نتوقف قليلًا عن سؤال من قسّم هذه المنطقة، وأن نطرح السؤال الذي نخشى مواجهته: من يمنعنا اليوم من بناء دولة حقيقية داخل هذه الحدود؟ دولة يكون فيها المواطن أكبر من طائفته، والمؤسسة أقوى من الزعيم، والقانون أقوى من السلاح، والسيادة موقفًا لا شعارًا، والإنسان قيمة لا تفصيلًا في مشروع سياسي أو حرب.

قد يستطيع الآخرون أن يرسموا خرائطنا، وقد يتصارعون على أرضنا ومصالحهم فوقها، لكن هناك شيئًا لا يستطيع أحد أن يفعله نيابة عنا: أن نبني وطنًا يستحق أن يبقى أبناؤه وبناته فيه.

فالحدود قد يرسمها الأقوياء، أما الوطن فلا يسقط حقًا إلا عندما يتخلى أهله عن فكرة الوطن.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك