عندما تقود النساء… تتغيّر روح المؤسسة
تجربة المهندسة ديانا طبّارة في المقاصد تستحق أن تُراقَب وتُدعَم، ليس لأنها امرأة وصلت إلى رئاسة مؤسسة عريقة فحسب، بل لأنها تذكّرنا بأن وصول المرأة إلى القيادة لا ينبغي أن يكون خبرًا استثنائيًا نحتفل به ليوم واحد، بل بداية لمسار تصبح فيه المرأة شريكًا طبيعيًا في صناعة القرار.
@kholoudwk
ليست القيادة منصبًا يُشغل، ولا كرسيًا يتبدّل عليه الأشخاص. القيادة الحقيقية هي تلك القدرة على أن يدخل شخص إلى مؤسسة عريقة، فيحترم تاريخها، ويحافظ على رسالتها، لكنه في الوقت نفسه يمنحها روحًا جديدة، ويعيد وصلها بالناس وباحتياجات زمنها.
هذا ما شعرت به منذ أن تولّت المهندسة ديانا طبّارة رئاسة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت. فمنذ وصولها إلى موقع القيادة، بدا وكأن شيئًا تغيّر في نبض المؤسسة. ليس انقلابًا على تاريخ المقاصد العريق، بل استكمال لهذا التاريخ بلغة أكثر قربًا، وحيوية، وانفتاحًا على الناس.
في شخصية ديانا طبّارة تركيبة جميلة للقيادة: بساطة لا تلغي الهيبة، ولطف لا يتعارض مع الحزم، وتواضع لا ينتقص من قوة القرار. قريبة من الناس، تستمع إليهم وتتحدث معهم ببساطة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بأهداف المؤسسة، تظهر جدية واضحة وإصرار على الإنجاز. وهذا، برأيي، واحد من أجمل نماذج القيادة النسائية: أن تكوني إنسانية من دون أن تكوني ضعيفة، وحازمة من دون أن تكوني قاسية.
بالأمس، خلال اللقاء الذي دعتنا إليه جمعية المقاصد في أجواء الغروب في فندق موڤنبيك – Hemingway’s، لم يكن الهدف مجرد لقاء اجتماعي أو عشاء يجمع الأصدقاء والداعمين. كانت هناك رسالة واضحة: التعليم اليوم يحتاج إلينا جميعًا.
فلبنان تغيّر، والظروف الاقتصادية تغيّرت، وكلفة التعليم ارتفعت بشكل بات يفوق قدرة عدد كبير من العائلات. وخلف كل قسط مدرسي قد لا تستطيع عائلة دفعه، هناك طفل قد تصبح فرصته في التعليم مهددة. لذلك، فإن دعم مؤسسة تعليمية عريقة كالمقاصد ليس مجرد مساعدة مالية لمؤسسة؛ إنه استثمار مباشر في الإنسان اللبناني وفي مستقبل البلد.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين إدارة المؤسسة وقيادتها. الإدارة تحافظ على استمرار العمل، أما القيادة فتعرف كيف تجمع الناس حول قضية، وكيف تجعل المجتمع شريكًا في المسؤولية، وكيف تحوّل الحاجة إلى مشروع، والمشروع إلى أمل.
وربما لهذا السبب علينا أن نتوقف أكثر عند عبارة: عندما تقود النساء.
عندما تصل المرأة إلى القيادة بكفاءتها ورؤيتها، لا نريد منها أن تقلّد نموذجًا صُمّم قبلها، ولا أن تثبت أنها تستطيع أن تكون أكثر قسوة أو صلابة من الرجل. قيمة القيادة النسائية الحقيقية تكمن في أن تضيف المرأة إلى المؤسسة ما تحمله من رؤيتها وخبرتها وطريقتها المختلفة في قراءة الإنسان قبل الأرقام، وفي بناء الجسور بدل الاكتفاء بإدارة الملفات.
ولا يعني ذلك أن كل امرأة قائدة ناجحة لمجرد أنها امرأة، كما لا يعني أن القيادة الإنسانية حكر على النساء. الكفاءة تبقى الأساس. لكن عندما تتاح للنساء المؤهلات فرصة حقيقية للوصول إلى مواقع القرار، فإن المؤسسات تكسب منظورًا كان غائبًا عن طاولاتها طويلًا.
وتجربة المهندسة ديانا طبّارة في المقاصد تستحق أن تُراقَب وتُدعَم، ليس لأنها امرأة وصلت إلى رئاسة مؤسسة عريقة فحسب، بل لأنها تذكّرنا بأن وصول المرأة إلى القيادة لا ينبغي أن يكون خبرًا استثنائيًا نحتفل به ليوم واحد، بل بداية لمسار تصبح فيه المرأة شريكًا طبيعيًا في صناعة القرار.
نحتاج اليوم إلى مؤسسات لا تكتفي بتاريخها، بل تصنع مستقبلها. نحتاج إلى قيادات تنزل من خلف المكاتب لتقترب من الناس، وتعرف أن حماية التعليم هي حماية للمجتمع، وأن الاستثمار في طفل اليوم هو استثمار في لبنان الغد.
فعندما تقود النساء بكفاءة ورؤية وإنسانية، لا يتغيّر اسم الرئيس على باب المؤسسة فقط… قد تتغيّر روح المؤسسة بأكملها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير