دولة الأولويات المقلوبة : يتذكرون «شمس» المواطن… وينسون «كارتيلات» العتمة والمال السائب
لم تكن عبارة وزير المالية، حين سُئل عن ضرائب الموازنة المقبلة فأجاب: «أجل، ومن يدفع الضرائب في بقية الدول؟» مجرد جواب عابر، بل طرحت سؤالاً أكبر: هل تريد الدولة من المواطن أن يدفع كما في الدول المتقدمة، أم تريد منه فقط أن يدفع؟
خاص بوابة بيروت
عندما تشتدّ المصائب، وتتراكم الأعباء على الناس، ولا يجد المواطن من ينصفه أو يرفع عنه الظلم، لا يبقى أمامه إلا أن يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
وفي لبنان، يبدو أن المصائب لا تأتي فرادى… بل تأتي معها دولةٌ تقلب الأولويات، فتتذكر جيب المواطن وتنسى حقوقه.
لم تكن عبارة وزير المالية، حين سُئل عن ضرائب الموازنة المقبلة فأجاب: «أجل، ومن يدفع الضرائب في بقية الدول؟» مجرد جواب عابر، بل طرحت سؤالاً أكبر: هل تريد الدولة من المواطن أن يدفع كما في الدول المتقدمة، أم تريد منه فقط أن يدفع؟
ففي الدول التي تُقارن بها، يدفع المواطن الضرائب ضمن منظومة متكاملة من الخدمات: صحة، تعليم، نقل، كهرباء وبنى تحتية تحفظ كرامته. أما في لبنان، فالضرائب تُفرض على مداخيل أنهكتها الأزمات، فيما يدفع المواطن مرة ثانية وثالثة ثمن الخدمات المفقودة.
واليوم، يُفتح ملف تنظيم ألواح الطاقة الشمسية بقرار مشترك بين وزارات الداخلية والأشغال والطاقة، تحت عنوان حماية البيئة والسلامة والصحة العامة.
من حيث المبدأ، لا أحد يرفض التنظيم أو السلامة. لكن السؤال: لماذا تستيقظ الدولة بهذه السرعة على سطح منزل المواطن، بينما تغيب عن الملفات التي تهدد صحته وحياته وخزينة الدولة؟
أين هذه الغيرة على البيئة من:
- عوادم السيارات والدراجات والباصات التي تنفث الدخان الأسود في الشوارع، وسط ضعف الرقابة والمعاينة؟
- كارتيل المولدات الخاصة الذي يبيع الكهرباء بأسعار ترهق المواطن، فيما يدفع ثمن التلوث والعتمة معاً؟
- ملف المحروقات وما يرافقه من فوضى في الأسعار وأعباء إضافية على حياة اللبنانيين؟
- الفواتير الاستشفائية والأقساط المدرسية التي باتت تهدد حق المواطن في الصحة والتعليم؟
والسؤال الأكبر: لماذا تكون الجباية من المواطن هي الأسهل، بينما تبقى أبواب الإيرادات الكبرى موصدة؟
أين استرداد حقوق الدولة في الأملاك البحرية والنهرية، وإعادة تقييم بدلات استثمارها بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي؟ وأين الجباية الحقيقية للرسوم والغرامات على المقالع والمرامل التي استنزفت جبال لبنان وموارده؟
المشكلة ليست في تنظيم الطاقة الشمسية، بل في ترتيب الأولويات.
لا يجوز أن تتحول الدولة إلى شرطيّ يقظ فوق سطح المواطن، بينما تبقى مترددة أمام كارتيلات العتمة والمحروقات، والتعديات على الأملاك العامة، ومصادر الهدر والمال السائب.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من السقف الذي استقبل شمس المواطن، بل من مزاريب الهدر التي تستنزف الدولة.
نريد دولة تطبق القانون على الجميع، لا دولة تستقوي على الأضعف وتتردد أمام الأقوى.
فإذا كانت الدولة تريد من المواطن أن يدفع «كما في بقية الدول»، فليكن السؤال مكتملاً: متى سيحصل المواطن أيضاً على حقوقه كما في بقية الدول؟
فالمواطن لا يرفض الضريبة، ولا يرفض القانون، ولا يرفض تنظيم الطاقة الشمسية…
هو يرفض أن يدفع وحده ثمن دولةٍ تتأخر في إعطائه حقوقه، وتستعجل في تحصيل واجباته.
وحين تنقلب الأولويات، لا يبقى للمواطن إلا أن يرفع صوته ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير