بقلم مهى الدمشقي علم الدين – بوابة_بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
أنتم تعرفون ألّا وطنَ دون دولة،
ولا دولةَ من دون نظامٍ وسلطاتٍ ديمقراطيةٍ مؤسساتيةٍ، رعائيةٍ، حقوقيةٍ، تنمويةٍ، تتكامل وتتكاتف.
أنتم تعرفون ألّا ازدهارَ من دون استقرار،
وألّا استقرارَ من دون تنميةٍ مستدامة،
وتلك دونها الأمانُ… الفرديُّ والجمعيُّ.
والأمانُ مستحيلٌ بغياب العدل والمساواة،
أساسِ كلِّ قيمةٍ أخلاقيةٍ، وشرطِ ديمومةِ كلِّ مُلكٍ…
الأُمَمُ بأخلاقها تبقى، وإن ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا…
وقد ذهبنا،
ولا نزال نذهب ولا نعود،
فيما يتهيّأ لنا أنّنا “هنا”، وأنّنا نملك مكاننا.
كلُّ مكانٍ يشبه صاحبَه ومَن يحميه ويحرسه…
مكانُنا ليس بخيرٍ أبدًا.
لن أُعدِّد لكم ما ترون في مجال عيشكم اليومي من خرقٍ للانتظام الحضاري، وحرقٍ لجماليات العيش، إن كنتم حقًّا تُبصرون…
نتجاهل انتهاكاتِه، ويتغاضى جميعُ المعنيين، في تدرُّج الإدارة والمسؤولية الوظيفية، عنها… استخفافًا بأبسط ضوابط العيش المدني والمجتمعي السليم، واستهتارًا بحقوق المواطنة!
ولا نزال، دون خجل، ندّعي بأنّنا “سويسرا الشرق”…
مكانُنا الماديُّ مُعتلٌّ، والمعنويُّ مُختلٌّ،
ولسنا بخيرٍ أبدًا…
فللخير شروطُه ومؤشّراتُه!
ومن المكان تولد المكانة،
فماذا عنها أيضًا وأيضًا؟
لو سمحتم، بوحوا بصدقٍ لأنفسكم، ودوِّنوا: بأيِّ شعورٍ تشعرون؟!
ثمّ ماذا عن العدل،
وعن حقِّ الفرد والجماعة؟
من أين يبدأ هذا العدل؟
وأيَّ زاويةٍ نُسكنه؟
لا شكَّ أنّه يبدأ من اعتدالنا نحن، كلِّ فردٍ منّا.
ولنُسمِّ أنفسنا “مواطنين”…
ردِّدوا هذه الكلمة الثمينة، وحاولوا أن تشعروا بمعانيها في قلوبكم وعقولكم…
الاعتدال قانونُنا الفطريُّ، المساوي لك وللآخر في الحقِّ والواجب، والذي سلبه منك نهجُ الامتياز والحظوة والتسلُّط…
الاعتدال هو خطُّ الاتزان، ومنه يُشتقُّ العدل، وهو يبدأ مع أنفسنا أوّلًا، ثمّ مع أهل بيتنا وعائلتنا، ليمتدَّ في دوائر تتّسع لتطال الإنسان والحيوان والنبات، إلى أن تشمل الأرض والماء والهواء… مقوِّمات الحياة والبيئة السليمة، حتّى تستقرَّ في الإنسانية جمعاء…
بكلِّ اعتدال، رجاءً قولوا لي:
كيف نبتلع كوارثنا ومآسينا ولا يرفُّ لنا جفن؟
كيف تُزلزل الأرض كلَّ مرّةٍ من تحت أقدامنا بخرقٍ للولاء والانتماء، فتنكسر رقابنا… ونبقى كما قبلها، وكأنَّ شيئًا لم يحصل؟ لا حساب، لا عقاب لأيِّ مسؤولٍ وجانٍ…
وتنتهي الأمور بحفلة “تبويس لحى”، والتفافٍ على الحقائق، وتزييفٍ لها، وتسخيفٍ لتبعاتها…
هلمّوا نُحصِ الضحايا، الأموات والأحياء، والأضرار اللاحقة بنا شعبًا ودولةً ومؤسَّسات!
ولن أعود إلى ماضٍ بعيد؛ يكفي التذكير بتفجير المرفأ منذ ستِّ سنوات،
التفجير غير النووي الأكبر، كما وُصف في التاريخ الحديث،
وقد رافقه تدمير أهراءات القمح، “أهرامات لبنان”.
أتذكرون؟!
وتمَّ تجريد شعبٍ بأكمله، ولأجيالٍ قادمة، من قدراته المالية والعلمية، وحرمانه من استثمارها في بلده… دولته… وطنه… أرض أجداده وأحفاده.
ماذا فعلنا؟
لا نزال ننتظر صدور حكم القضاء، في أحسن الحالات.
ولا نزال لا نكترث، في أسوأ الحالات.
وما أسوأنا، بأنَّ معظمنا لا يكترث…
إمّا لجرعةٍ زائدةٍ من التشكيك واليأس،
أو لوجبةٍ متخمة، وغالبًا معولمة، تحشو الأمعاء، فتسطِّح الحواس، وتبلِّد الحسَّ والإحساس…
يُحكى أنّنا نشهد آخر حلقات تدميرنا المروِّع الممنهج، إيذانًا بولادة شرقٍ أوسطيٍّ جديدٍ يُعمل عليه، خاصّةً بعد التفجير المشؤوم ودوّامات الحرب والتدمير الأخيرة.
إن نظرتم حقًّا بعين مواطنٍ قلبُه على بلده، سترون دماءً جديدة، وأشلاءً جديدة، وركامًا جديدًا… ورمادًا جديدًا…
رمادًا يطمر كلَّ ما سبق من دماءٍ وأشلاءٍ وركامٍ ورماد.
ستوقنون أنّنا تعوّدنا ابتداع مراسيم وطقوسٍ للاحتفال بكلِّ جديد، من أجل غسل اليدين والتناسي، رفعًا للمسؤولية الوضعية والأخلاقية…
وهذا هو مرضُنا المزمن العضال!
تخيّلوا معي كم تمادينا… حتّى يُوسَم كلُّ اللبنانيين الذين قضوا مؤخّرًا، وهم ضحايا مغبونون، بصفة “السعيد”…
كم نتقن التلاعب بالوقائع، والتحايل على الحقائق، لتبرير العنف وعسكرة المجتمعات، وتجميل الدمار والموت، وللتذاكي الشرير على فظاعة اللاجدوى والفشل المدوّي…
والأفظع أنّنا، في كلِّ مرّة، نعجز أكثر في اجتراح الحلول المجدية لمأساتنا، والتي يجب أن تولد من رحم تجاربنا المريرة…
اجتراح الحلول لم يزل خارج أولويّاتنا، لأنّه يتطلّب مواجهة الذات أوّلًا، والتعامل مع تداعيات تلك المواجهة!!
لذا، سهل علينا، مرّةً بعد مرّة، انتظار الحلول المعلّبة، تأتينا من الخارج فرضًا، فنتجرّع سمَّها طواعيةً باسم التوافق والتنافق المشترك، تهرّبًا من مواجهة الذات…
رحم الله امرأً عرف حدَّه ووقف عنده!
لم نستسغ حتّى تبنّي تجربةٍ مرحليةٍ لأيِّ حلٍّ يُخرجنا من دوّامة التصدّع السياسي، والتآكل الفكري، والاحتباس الأخلاقي والوطني الذي نتخبّط فيه. فضّلنا ذرَّ جبال الرماد في عيون بعضنا البعض!!
ولم نقبل أن نعترف يومًا أنّ الركام هو ركام فوضانا الدماغية، وأنساقنا المجتمعية المهترئة،
وأنّ الرماد هو رماد أرواحنا الخاوية من صدق القول وإخلاص العمل…
وأنّ ما بين أيدينا كرةُ نارٍ مستعرة، نستعير الكفوف المخملية أو الفولاذية، استعارةً مكلِفة، لتلقّفها وتقاذفها طوال عقودٍ فيما بيننا، دون نيّةٍ أو قصدٍ للإمساك بها لإخمادها…
إنّها روحُنا الجماعية الجريحة، الجزِعة والمعتلّة، الهائمة والتائهة في دوّاماتٍ من سرديّاتٍ لأساطير وعقائد ووعودٍ قديمة، نحفظها ونردّدها، ونمارسها شعائرَ تمايزٍ واختلافٍ من سلف الأسلاف، فنذرنا أنفسنا لحياكة سرديّاتهم، وقد أصبح معظمها أكفانًا لنا،
وأصبحت صولاتهم زخارف وتعويذاتٍ نتزيّن بها، هانئين مهانين، دون أيِّ مراجعةٍ لجدواها في اتزان عيشنا اليوم، وعيش أولادنا وزمنهم الآتي…
نُعمِّر لهم بيتًا مكلِفًا قبل أن نُعمِّر لهم وطنًا نغالي ونغتني فيه…
عجبًا!
كيف نرتضي هكذا حالًا؟
كيف نخادع أنفسنا، ونحن أدعياء العلم والحداثة، حملةُ أعلى الشهادات من أهمِّ جامعات العالم المتحضِّر؟
إنّها أسئلةٌ آن الأوان أن نجيب عنها، وأن نستحضر بسرعة، وتلك فرصتُنا الأخيرة، كلَّ قوانا المتبقية ومخزوننا العلمي والحقوقي والثقافي، وهو لا يزال وفيرًا، بالرغم من كلِّ شيء، فنتجاوز معًا التقليد،
لنبتدع خطةَ عيشٍ وطنيٍّ، مواطنيٍّ، مدنيٍّ، نرسي دعائمها نهائيًّا، لنتمكّن من استعادة أبنائنا وبناتنا من مراكز اغترابهم القسري،
أبناؤنا، حيث هم، أصبحوا ينتمون إلى عالمٍ مختلفٍ تنظيميًّا وإداريًّا، عالمٍ جاهزٍ لتحقيق طموحاتهم ومرادهم.
وهم لن يرتضوا لبنان كما هو اليوم، ولا يمكن أن يقبلوا باستمرار معادلات المحاصصة الطائفية والمذهبية المكسورة والقائمة، والتي تجعل لبنان غير قابلٍ للحياة الكريمة لنا ولهم…
حسبُنا، وحسبُ أبنائنا، أنّنا وإيّاهم تجرّعنا هزيمة الريادة اللبنانية الممكنة، بل المحتمة، مرّاتٍ عدّة، وهي هزيمةٌ كبرى لحقت بنا لاعتباراتٍ إقليميةٍ لم نتحسّب لها جيّدًا، فحزموا حقائبهم دون رجعة، بعد أن أجهض التحالف الآثم، لقوى التخلّف السياسي، والمال الرّيعي، والاستبداد الحزبي الفئوي المدجّج بالسلاح، ثورتَهم المجيدة قبل تفجير المرفأ بأشهرٍ قليلة…
ماذا بعد؟!
ما الذي نريده الآن؟
ما نريده لنا ولهم هو ما نختاره،
ونحن أحرارٌ ومخيَّرون، بالرغم من كلِّ الشوائب والمصائب.
خيارُنا هو غالبًا ما نعتقد أنّنا نستحقّه!!!
ليكن الأفضلُ استحقاقَنا،
إن كنّا لا نزال أحياءً تليق بنا الحياة.
