مواجهة الحكومة بالسلاح والتفاوض والاقتصاد

أما المعارضة، المنتفخة بوهم المظلومية التي كبّدت نفسها بوزرها، فلم تنجح في إسقاط الحكومة. وهذا يعني أن المخطط الممتد محوريًا سقط في اليوم الأول في لبنان، لكن الانقسام التقليدي حول ما كان يُعرف بالمقاومة والسلاح لا يزال على حاله. ولعلّ المشكلة أن هذا الفريق السياسي، الذي أوصل لبنان بغبائه الاستراتيجي إلى ما وصل إليه، يريد أن يجرّ البلاد كلها إلى الانتحار.

خاص بوابة بيروت

لقد تحوّلت الجلسة الرقابية على الأداء الحكومي إلى جلسة محاكمة سياسية بامتياز، شملت ثلاثة عناوين أساسية: حصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم، وموضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والموضوع الاقتصادي والمالي الذي يرخي بثقله على اللبنانيين جميعًا من دون استثناء.

سلام: الدولة وحدها تفاوض… وحصر السلاح التزام حكومي

قدّم دولة الرئيس نواف سلام مطالعة سياسية دفاعية عن أداء حكومته، مستعملًا الملف الذي يطال اللبنانيين جميعًا، وهو الملف الاقتصادي، ليبرّر سياسة حكومته في مسألتي حصرية السلاح والمفاوضات المباشرة. إذ صرّح بأن الخسائر نتيجة الحربين تجاوزت 27 مليار دولار، مع انكماش اقتصادي متوقّع بنسبة 6.4% خلال العام الحالي.

وهكذا نجح الرئيس سلام في الاستئثار بالمشهد العاطفي الوطني، لأن الموضوع الاقتصادي يطال اللبنانيين كلّهم من دون أي استثناء، حتى البيئة التي كانت تؤيّد حزب الله باتت هي نفسها معترضة على كلفة الحرب الباهظة التي تكبّدتها. وهذا مؤشر على قراءة سياسية صحيّة للرئيس سلام، حيث يبدو أن الملف الاقتصادي هو الذي سيشكّل وسيلة تقدّمه السياسي والحفاظ على متانة حكومته.

وفي موقف يبدو منسّقًا مع الرئاسة الأولى، أكّد سلام ازدواجية الإشكالية اللبنانية بين السلاح غير الشرعي من جهة، والاحتلال الإسرائيلي من جهة ثانية، ليثبّت مبدأ التفاوض المباشر الذي تقوده الدولة اللبنانية وحدها.

ورفض سلام اعتبار الإطار الثلاثي الذي نتج عن المفاوضات اتفاقًا قانونيًا نهائيًا، واعتبره إطارًا سياسيًا يتضمّن تدابير تنفيذية مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي التدريجي وانتشار الجيش اللبناني. كما رفض اعتبار حصر السلاح التزامًا جديدًا فُرض على لبنان، مشيرًا إلى أنه وارد أصلًا في البيان الوزاري واتفاق الطائف واتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024.

بو صعب: أسئلة حول اتفاق الإطار

فيما بدأ دولة الرئيس إلياس بو صعب حمل لواء الاعتراض على أداء الحكومة بطريقة مباشرة، من خلال مساءلتها عن جدوى اتفاق الإطار وما الذي ينتظره لبنان منه، في محاولة واضحة للتشكيك في قدرة الحكومة على الاستمرار في ظل ما يتعرّض له الميدان اللبناني عسكريًا، ولا سيما بعد التفجير الأخير في علي الطاهر والوضع المأساوي الذي باتت فيه مدينة النبطية.

وكشف موقف بو صعب اعتراضين واضحين على مبدأ التفاوض من الأساس؛ الأول على عملية التفاوض بشكل عام، والثاني على ما يكتنفها من غموض دبلوماسي. لكن الإسرائيلي استطاع توظيف هذا الغموض بهدف استفزاز أبواق المنظمة، حتى يستطيع استثماره من جهة ثانية في الانتخابات المقبلة عنده.

بينما كرّر الفريق السيادي موقفه الرافض للمساومة على حصرية السلاح والمفاوضات، رغم أنها لم تحقّق حتى الساعة النتائج المرجوّة، مع دعوة واضحة إلى إعادة النظر في اتفاق الإطار بهدف البحث في سياسة تفاوضية تحصّن أوراق الدولة اللبنانية التي لا تزال تخضع حتى الساعة لتداعيات قرار حزب الله.

ومع التطورات الإقليمية، يبدو أن قرار التصعيد الذي تُرجم بالهجوم على الحكومة اللبنانية إنما تمّ تنسيقه مع المحور، من اليمن إلى طهران، مرورًا بردّات الفعل الأميركية التي ترجمها الرئيس الأميركي بطريقة ساخرة.

كما برز في جلسة المساءلة الدعوة الصريحة إلى أصدقاء لبنان لدعم مؤسسة الجيش اللبناني، على عتبة التحضير للمؤتمر الأوروبي المفترض في الأيام المقبلة. لكن الوقائع كلّها تشير إلى أن هذا الدعم لن يتحقّق بالزخم المطلوب، نتيجة الضغط الأميركي على الدولة اللبنانية بسبب عدم تنفيذ ما هو مطلوب منها سياسيًا.

لذلك بدا أن الفريق السيادي يحمّل الحكومة مسؤولية قراراتها السياسية، وهذا ما يعطي الإسرائيلي المزيد من الذرائع العملية، بحسب هذا الفريق. ولن تكون تداعيات كلّ ما يحصل طفيفة، إنّما قد تشكّل زلزالًا أمنيًّا يبدأ في الجنوب، ولا يُعرف أين قد ينتهي في لبنان أو حتى في الإقليم.

باسيل: مع التفاوض وحصرية السلاح… ولكن

سجّل باسيل موقفًا من المفاوضات وحصريّة السلاح واضحًا، إذ لا يمكن القبول بتسليم الإسرائيلي للمناطق التي يرفض حزب الله تسليمها إلى الدولة، كما لا يمكن القبول بقرار عسكري خارج المؤسسات العسكرية، يترجم عمليًا على أرض الواقع عرقلةً لقرارات الحكومة السيادية. من هنا، كيف يمكن لمن يعطّل عمل الحكومة أن يسائلها؟

فأولئك الذين يسائلون الحكومة على خلفية رفضهم الاستقواء بالخارج، هم أنفسهم الذين استسلموا لهذا الخارج طوال حياتهم السياسية، من سوريا إلى طهران. قمّة المفارقة أن يطالَب هؤلاء بالصمت في مثل هذه اللحظات، بدلًا من البحث عن التكفير عن ذنوبهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أدّت إلى الوصول إلى حيث وصلنا اليوم.

فلا يمكن للوزير جبران باسيل أن يصف تياره بأنه «معارضة مسؤولة»، ويتهم الحكومة بأنها أصبحت، بحسب تعبيره، «حكومة المحاور والخضوع»، وأنها لم تنجح في حصر السلاح ولم تضع خطة واضحة للإصلاح؛ وهو نفسه الذي وضع يده بيد هذا السلاح، وشجّع وجوده منذ عام 2006، وعطّل التشكيلات القضائية التي كانت مدخلًا للإصلاح، فضلًا عن ممارساته في التعطيل التي كبّدت البلد خسائر اقتصادية لم يعد المواطنون قادرين على تحمّلها. ومن استسلم للسوري والإيراني لا يحقّ له مقاربة السلام من وجهة نظر الاستسلام.

ولا يمكن، في هذه الظروف الإقليمية التي أنتجت تغييرًا جيو- استراتيجيًا ضخمًا في المنطقة، المطالبة بتعديل مسار نزع السلاح، بالإدّعاء بأن رفض الاستقواء بالخارج سيعيد إليه وإلى فريقه السياسي الودائع الانتخابية التي حصل عليها في العام 2022.

علي عمار وريفي: سجال يعكس الانقسام القديم

الجانب الأكثر توترًا في الجلسة كان السجال بين النائب عن كتلة الوفاء للمقاومة علي عمار والنائب أشرف ريفي، على خلفية النقاش حول المقاومة والسلاح. حيث شدّد عمار على أن «المقاومة باقية» ما دام هناك شبر من الأراضي اللبنانية محتلًا، وانتقد ما اعتبره تجاهلًا لتاريخ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

لكأنّ هذا الفريق لا يزال قابعًا في التاريخ ولا يريد أن يدخل في المستقبل. فمن دمّر البلد ليُثبت عَمَته وأوهامه، باعترافه هو نفسه، لا يحقّ له اتّهام الآخرين. فهذا الزمن ولّى إلى غير رجعة، واليوم دخلنا في زمن الدولة وبناء السلام، وكل سرديات المقاومة التي تسيطر على الدولة تحت ذريعة تحرير الأرض سقطت بفعل الأمر الواقع؛ فهل تحرّرت كل الأرض؟ وهل استطاعت المقاومة أن تستمر في عملها وتحقّق لشعبها تلك الوعود الهمايونية التي وعدته بها طوال أربعة عقود؟

الاقتصاد: امتحان الحكومة الأصعب

في الشق الاقتصادي، حاول سلام إظهار أن حكومته تعمل على مسار إصلاحي متكامل، مشيرًا إلى إقرار تعديلات على قانون إصلاح المصارف وقانون السرية المصرفية، وداعيًا مجلس النواب إلى مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، أو ما يُعرف بـ«الفجوة المالية»، معتبرًا أن الدولة لا تستطيع وحدها تحمّل أعباء إعادة الإعمار، وأن لبنان يحتاج إلى دعم عربي ودولي وتمويل خارجي.

في المقابل، يبقى هذا الرأي الذي أدلى به رئيس الحكومة محصورًا في المجال النظري، لأن كل ما طُرح أمام اللبنانيين حتى الآن بقي معلّقًا، ولن يتحقّق منه شيء إذا لم تنفّذ الحكومة قراراتها السياسية. وبرغم ذلك، نجح دولة الرئيس في تجاوز الامتحان العصيب في تثبيت معادلة أن الدولة وحدها تملك قرار التفاوض وقرار الحرب والسلم.

أما المعارضة، المنتفخة بوهم المظلومية التي كبّدت نفسها بوزرها، فلم تنجح في إسقاط الحكومة. وهذا يعني أن المخطط الممتد محوريًا سقط في اليوم الأول في لبنان، لكن الانقسام التقليدي حول ما كان يُعرف بالمقاومة والسلاح لا يزال على حاله. ولعلّ المشكلة أن هذا الفريق السياسي، الذي أوصل لبنان بغبائه الاستراتيجي إلى ما وصل إليه، يريد أن يجرّ البلاد كلها إلى الانتحار.

وفي ما بقي من الجلسة، ظلّ الاتجاه العام محصورًا بالمساءلة والنقد، ولم يصل إلى حدّ إسقاط الحكومة. وكانت جلسة اليوم مقرّرة على يومين، ما يعني أن المشهد السياسي والنيابي لم يُغلق بعد.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك