جو صدي يضع الحكومة أمام امتحان الكهرباء
قد يختلف اللبنانيون حول طريقة صدي في الضغط، لكن الاختلاف يصعب أن يطال الحاجة إلى سياسة واضحة تستمر بعد حكومة وأخرى. فالناس لا ينتظرون وعودًا إضافية ولا حلولًا مؤقتة جديدة. ينتظرون كهرباء مستقرة، ومؤسسة قادرة على البقاء، ودولة تقوم بما عليها...
خاص بوابة بيروت
اعتاد اللبنانيون انقطاع الكهرباء حتى صار جزءًا من تفاصيل يومهم. يعرفون ساعات التقنين مسبقًا، ويحتسبون اشتراك المولّد مع مصاريف البيت الثابتة. وفي هذا المناخ، جاء اعتكاف وزير الطاقة والمياه جو صدي عن حضور جلسات مجلس الوزراء ليعيد طرح سؤال قديم: هل المطلوب الاستمرار في تدبير الأزمة، أم الذهاب فعلًا نحو حلها؟
ربط الوزير عودته إلى الجلسات بمعالجة الملفات المتعلقة بمؤسسة كهرباء لبنان وتأمين استمرارية التغذية. ومهما اختلفت الآراء حول أسلوب الاعتكاف وتوقيته، يبقى السؤال الذي يفرضه واضحًا: كيف يتحمل وزير مسؤولية قطاع حيوي إذا لم تتوافر له القرارات والإمكانات اللازمة لإدارته؟
في صلب الموضوع رقم يتصدر عرض صدي: نحو 300 مليون دولار، هي مستحقات المؤسسة على الدولة. وفي المقابل، تواجه المؤسسة كلفة مرتفعة لشراء الفيول وتشغيل المعامل. وهنا يظهر حدّ الحلول الموسمية، فتأمين الفيول كلما لاح خطر العتمة لا يبني قطاعًا مستقرًا، بل يؤجل الأزمة إلى موعد آخر.
لذلك يتحدث الوزير عن مسار أطول: استدامة مالية للمؤسسة، ومعالجة الهدر، وربط التعرفة بكلفة الإنتاج، والتوجه نحو الغاز لخفض كلفة التوليد. هذه الطروحات قابلة للنقاش والتعديل، وقد تحتاج إلى تدقيق في التفاصيل والتمويل والمهل، لكنها تنقل الحديث من الترقيع إلى الإصلاح البنيوي.
أما المواطن، فقد دفع الثمن مرارًا. يسدد فاتورة الدولة ثم فاتورة المولّد، ويتحمل ما يلحق بعمله ومتجره من خسائر بسبب تيار لا يُعتمد عليه. أزمة لم يصنعها وحده، ومع ذلك يتحمل العبء الأكبر منها.
ولا تتوقف الكلفة عند حدود الفواتير. فحين لا تتوافر الكهرباء بانتظام، ترتفع كلفة الإنتاج على الشركات الصغيرة، ويتردد المستثمر قبل أن يفتح مصنعًا أو مكتبًا، وتضطر المؤسسات الصحية والتعليمية إلى الاعتماد على مصادر بديلة مرهقة. هكذا يتحول انقطاع التيار من إزعاج يومي إلى عبء على الاقتصاد كله، ويصبح إصلاح القطاع شرطًا لأي حديث جدي عن التعافي.
غير أن تحميل وزير واحد كل المسؤولية لا يستقيم. فالكهرباء ملف حكومي بامتياز، وأي إصلاح فيها يحتاج إلى قرار يصدر عن مجلس الوزراء مجتمعًا. ومن يطالب بالقرارات عليه أن يجد من يتخذها.
قد يختلف اللبنانيون حول طريقة صدي في الضغط، لكن الاختلاف يصعب أن يطال الحاجة إلى سياسة واضحة تستمر بعد حكومة وأخرى.
فالناس لا ينتظرون وعودًا إضافية ولا حلولًا مؤقتة جديدة. ينتظرون كهرباء مستقرة، ومؤسسة قادرة على البقاء، ودولة تقوم بما عليها.
وعلى هذا الأساس، تبدو الخلاصة بسيطة: الكهرباء ليست قضية وزارة بعينها، بل مسؤولية دولة بأكملها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير