من المجلس إلى باريس… راوح مكانك

يبدو، من مراقبة مسار الأمور وارتباطها بالتطوّرات الإقليمية الأخطر، أنّ وضعية الدولة ستبقى «راوح مكانك»، بانتظار أن يتحقّق الخرق الإقليمي الذي سيشكّل بابًا للدخول إلى المرحلة الجديدة. عسى أن يتحقّق هذا الخرق قبل أن يفتعل الإسرائيلي الخرق الميداني الذي يناسب معركته الانتخابية داخليًا، لأنّه حتمًا سيكون أقلّ كلفة من أيّ عمل قد يُقدِم عليه الأزرق.

خاص بوابة بيروت

ما يحصل اليوم في لبنان دلالاته خطيرة، والخطر الأكبر ما يحصل في المنطقة ككلّ. ولمن لا يزال يقرأ في كتاب المناكفات والمزايدات والنكايات السياسية الضيّقة، فلعمري هو قاصر قصور البعوضة في التفكير الاستراتيجي. والأدهى أنّ روّاد هذه المدرسة الاستراتيجية لا يزالون يسوّقون للحوار المزعوم مع السلاح غير الشرعي، ويقدّمون أطاريح في كيفية استيعابه، وهم يمثّلون الشعب ويمثّلون عليه.

في موقفه اليوم من دبي، دعا نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب إلى حصرية السلاح بيد الدولة، لكنه ربط الوصول إلى هذه النتيجة بـ«التفاهم» مع حزب الله والتفاوض معه، بل وبالتعاون معه في انتشار الجيش جنوبًا ومعالجة ملف السلاح.

وهنا تكمن الإشكالية: فبدل أن يكون تسليم السلاح نتيجة طبيعية لمرجعية الدولة وسيادتها، يتحوّل في هذه المقاربة إلى موضوع تفاوض مع جهة تمتلك أصلًا سلاحًا خارج إطار الدولة. صحيح أنّ تجنّب الصدام الداخلي هدف مشروع، لكن الحوار لا ينبغي أن يتحوّل إلى اعتراف ضمني بأن للدولة شريكًا مسلّحًا في قرارها السيادي؛ فالمطلوب واحد: نزع السلاح غير الشرعي بالكامل، وحصره بالدولة فقط، لا استيعاب الدولة في معادلة قلب السلاح.

فيما أعادت جلسة طرح الثقة ثالثةً إلى الحكومة ثقتها، ولو بأقلّ بصوت واحد من الجلسة الثانية. ولهذا الطرح دلالاته، وهي سقوط منظومة المنظّمة التي كانت تتحكّم حديديًا بالميدان عسكريًا وسياسيًا. يوم كانت تُسقط حكومات في لحظة الـOne Way Ticket، باتت هي نفسها ساقطة، وبالطريقة عينها، وبالاتجاه صوب طهران فقط.

عمليًا، لقد خسر حزب الله معركته الثالثة مع الفريق السيادي. فالأولى التي كان يحارب بها عبر الإسرائيلي، بزعمه أنّه يُحارَب بواسطته، ها هو سقط بالضربة القاضية، ولو متقطّعة. أمّا الشارع الذي كان مسرحه وقت الضيق، فلم يستطع أن يحرّكه كما يشاء، برغم استعماله مطالب الناس الاجتماعية المحقّة. وكان آخر سقوط له الميدان الأكره على قلبه، وهو ميدان الشرعية التي لطالما نبذها. فلم تنفع حملاته وعملاؤه كلّهم، بل سقطوا بـ68 صوتًا حرًّا أُعطيت لهذا المسار السياسي.

أمّا في باريس، فيبدو أنّ خطاب الرئيس جوزاف عون يتّجه أكثر فأكثر من طرح السلام بوصفه هدفًا سياسيًا نهائيًا، إلى مقاربة تقوم على إدارة حالة الحرب عبر اتفاق أمني وترتيبات ميدانية. فهل هذا انعكاس لتعنّت منظّمة حزب الله واستمرارها في شلّ مخطّطات خطاب القسم؟ أم أنّ القراءة الاستراتيجية التي تجلّت في القسم بدأت تأخذ مناحي مختلفة؟

أسئلة مشروعة، لأنّ المطلوب من دعم الجيش وحصرية السلاح في الدولة أن يكونا المدخل لبناء دولة قادرة على إنهاء حالة الحرب. فيما يبدو، من خلال المسار الأوروبي، أنّ العهد يبحث عن كيفية تعزيز القدرات الأمنية، بما قد يمكّنه من ضبط الساحة الجنوبية، ولو جزئيًا، بغية استكمال المسار التفاوضي الذي تمّ بحثه بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن.

وهذه الأمور كلّها لن تفضي إلى انتهاء حالة الحرب السرمدية، لأنّها ليست ما يسعى إليه المجتمع الدولي من جهة، ولا إسرائيل طبعًا من جهة ثانية. فيما أنّ الدولة اللبنانية، كما هي اليوم، عاجزة عن فرض ما تريده هي بنفسها. فمن الأجدى إذًا الذهاب في استكمال ما بدأته في واشنطن، لأنّ البدائل غير موجودة. وكلّ كلام عن تسليح للجيش ما هو إلّا شعارات طنّانة وفارغة المضمون، لأنّ مطلقيها يعرفون ألّا دولة في العالم قابلة لتسليح جيش في بلد مفلس، غير قادر على دفع أموال مودعيه في المصارف.

وفي هذا السياق، تكون الخشية من أن تتحوّل أيّ ترتيبات في الجنوب لتصبح، في مرحلة لاحقة، ثمنًا للاستقرار، بدل أن تكون جزءًا من مشروع سيادي متكامل يقود إلى سلام واضح ومستدام. فاتفاق الهدنة اللبناني–الإسرائيلي عام 1949 كان إطارًا لوقف الأعمال الحربية، لكنه لم يتحوّل إلى سلام دائم؛ ولذلك فإنّ تكرار منطق «الترتيب الأمني» وحده لا يحلّ بالضرورة أصل المشكلة. فالأدوات ذاتها ستؤدّي إلى النتائج نفسها حتمًا.

وهذا العجز كلّه سينعكس سلبًا على ما يتمّ تحضيره في باريس، بغضّ النظر عن أنّ تعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية أولوية وطنية، وأنّ لبنان متمسّك بحصر السلاح بيد الشرعية، كما يعتبر فخامته، الذي طلب دعم «أصدقاء لبنان» للمؤسسات العسكرية والأمنية. لكنّ هذا الأمر سيبقى معلّقًا حتى تستعيد الدولة سيادتها. ففي نهاية المطاف، لا يمكن للدول الأوروبية أن تواجه المشروع الأميركي في المنطقة، لأنّها تدرك مسبقًا أنّ هذا سيسقطها في المحظور الذي لا تستطيع تحمّل أعبائه مع رئيس مثل ترامب.

فجوهر المؤتمر سيكون في بناء قدرة، ولو متواضعة، للدولة اللبنانية، تمكّنها من التحوّل إلى فاعل على أرض الواقع جنوبًا، لتصبح هي نفسها الضابط الأمني على الحدود، بهدف ملء الفراغ الذي تركته منظّمة حزب الله والذي ستتركه اليونيفيل بعد انتهاء مهامها الفعلية.

ولا يقلّ هذا الاختبار شأنًا عن الاختبار القضائي الذي تخضع له الدولة اللبنانية على خلفية طلب النيابة العامة التمييزية توجيه الاتهام إلى الرئيس السابق ميشال عون في قضية تفجير مرفأ بيروت، ما أعاد هذا الملف إلى الواجهة بعد سنين من التعطيل. وهذا دليل على سقوط المنظومة العميقة للقضاء التي كانت تعطّل مساره وأحكامه طوال سنوات سيطرة المنظّمة. ومع هذا النهج القضائي، لن تنفع الشكاوى الجزائية بالافتراء ولا بإفشاء سرّية التحقيق.

يبدو، من مراقبة مسار الأمور وارتباطها بالتطوّرات الإقليمية الأخطر، أنّ وضعية الدولة ستبقى «راوح مكانك»، بانتظار أن يتحقّق الخرق الإقليمي الذي سيشكّل بابًا للدخول إلى المرحلة الجديدة. عسى أن يتحقّق هذا الخرق قبل أن يفتعل الإسرائيلي الخرق الميداني الذي يناسب معركته الانتخابية داخليًا، لأنّه حتمًا سيكون أقلّ كلفة من أيّ عمل قد يُقدِم عليه الأزرق.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك