صناعة الوهم
هكذا تجتمع الهويّة الجماعيّة القويّة مع الإعلام المتجانس الذي يتمّ رفده مجتمعيًّا بطريقة متكرّرة ألغوريثميًّا، معطوفًا على ذلك كلّه وجود العدو المشترك والضغط الاجتماعي؛ فضلًا عن تلقّي ذلك كلّه من مصادر معلومات مغلقة؛ عندها تنتج بيئة شديدة المقاومة لكلّ ما هو مخالف وحقيقي. فتغرق بالوهم لدرجة الموت في بحر من هذا الوهم. فهل يأتي اليوم الذي يستيقظ فيه هؤلاء والحقيقة تقرع أبواب عقولهم؟ أم أنّ الحقيقة ستسير منفردة بعد مواكبهم الجنائزية؟
خاص بوابة بيروت
إنّ دراسة آليّات صناعة الوهم والتلاعب بالإدراك من خلال كيفيّة انتقاء المعلومات، وكيفيّة تكرارها، وكيف تُبنى رواية تجعل المتلقّي يرى الوقائع من زاوية واحدة لترسخ في الذهن المتلقّي، هي ظاهرة لا بدّ من التوقّف عندها.
والوهم لا يمكن صناعته إلّا من خلال بناء «بيئة إعلاميّة»، لا مجرّد قناة إعلاميّة، على أن تكون هذه البيئة مبنيّة بقاعدة شبكيّة مرتبطة بشبكة مموَّلة بدعم إيراني. كما لا يمكن لصناعة الوهم استهداف عيّنة محدّدة من الجماهير، ولا سيّما تلك المؤيّدة لهذا الفكر. لذلك تمّ تخصيص فئة من صانعي المحتوى الإعلامي حتّى تتوجّه إلى الذين هم في الفلك المقرّب من هذا الفكر.
ولقد أثمرت هذه المسألة عدّة مجموعات لا تنتمي إلى المحور الإيراني، باتت تتحدّث لغته، ولا سيّما من خلال الاستعراض ببراعة للقوّة الواهمة التي نجحت المنظّمة بإقناع جماهيرها بها. وهذا ما جعل المتلقّي الإعلامي يعيش في شرنقة إعلاميّة متكاملة يصعب خرقها: التلفزيون يطرح الرواية، والموقع يعيد صياغتها، والحسابات الرقميّة تضخّها، والمعلّقون يفسّرونها، ثمّ تنتقل إلى مجموعات WhatsApp.
وهكذا يتمّ تطويق المتلقّي إعلاميًّا من مصادر مختلفة باتت بالنسبة إليه مدعاة ثقة، وذلك لأنّ هذه المصادر ليست جميعها مرتبطة بالمنظومة السياسيّة الإيرانيّة. فبدخول الإعلام الذمّي على الخطّ، يرتفع منسوب الثقة عند بعض هؤلاء، فيتحوّل الوهم إلى حقيقة.
من المعلومة إلى الحقيقة الوهميّة
وخير مثال على ذلك ما ظهر من روايات بوليووديّة حول منشأة علي الطّاهر، فتمّ تسميتها بـ«بنتاغون حزب الله». وباتت تُحاك الروايات من قبل إعلاميّي الممانعة حولها، حيث اعتبر أحد جهابذتها الإعلاميّين أنّ «علي الطّاهر» أوقف الاقتصاد العالمي. وتمّ تكرار هذه المعلومات ومثيلاتها حتّى دخل الجمهور في نفق من التضليل. وما زاده تضليلًا ما قاله قاليباف عن هذا الموقع وكيفيّة تواصله المباشر مع المقاتلين فيه.
فصارت المعلومات تظهر في حسابات مجهولة، ثمّ يُعاد نشرها من قبل عشرات الحسابات، ثمّ يتناولها بعض الإعلاميّين والمذيعين، فيستخدمها بعض المحلّلين السياسيّين قائلين: «بحسب المعلومات المتداولة»، ثمّ تظهر في مجموعات الـWhatsApp، ويبدأ المتلقّي بالتعامل معها باعتبارها حقيقة قائمة. مع العلم أنّ التضليل في هذه الحالة لا يحتاج دائمًا إلى اختراع كذبة كاملة؛ أحيانًا يكفي أن تُطرح المعلومة بلا دليل، ثمّ يُترك للتكرار أن يمنحها مظهر الحقيقة. أين الدليل الواضح عن ماهيّة موجودات علي الطّاهر؟
كذلك تمّ تحويل هذا الوهم إلى حقيقة جمعيّة، أيّ أنّ الجميع يقولون ذلك، وهكذا. فينتقل المتلقّي من طرح السؤال: «هل هذا صحيح؟» إلى: «كيف يمكن أن يكون غير صحيح إذا كان الجميع يتحدّث عنه؟». وتظهر أهميّة هذه الآليّة خصوصًا في وسائل التواصل. دراسة حديثة لتحليل الخطاب العربي المرتبط بحزب الله على X وجدت أنّ 1% فقط من الحسابات استحوذ على 61.5% من التفاعل، بينما استحوذ أعلى 10% على 96.2% منه. أيّ أنّ المشاركة تبدو واسعةً جدًّا، لكنّ الانتباه الفعلي شديد التركّز.
كذلك، لصناعة الوهم، يلجأ المحور الإيراني إلى صناعة «العدو الدائم»، ما يجعل الرواية المطروحة أقرب إلى التصديق. فعلى سبيل المثال، في لبنان، خلق نظريّة الحرب السرمديّة مع الإسرائيلي، وتحوّل الأميركي والغرب إلى الإمبريالي المكروه، جعلا بيئة المنظّمة في حالة قلق دائم، وفرض عليها تصديق أيّ رواية، مهما كانت درجة بوليووديّتها مرتفعة، تحت ذريعة المؤامرة الكونيّة عليها. فمن منّا لا يتذكّر الأساطير التي تمّ نسجها حول الملائكة المحاربين في حرب تمّوز 2006 عن مقاتلي منظّمة حزب الله؟
حين يتحوّل الوهم إلى قوّة
وهكذا نجحت المنظّمة في ترجمة الخسارة المدويّة بنصر إلهيّ. ولكنّ هذا الوهم أضحى بحكم الساقط بفعل القوّة المفرطة التي قضّت مضاجع البيئة الحاضنة وتركتها أمام مصيرها الحقيقي. فأيّ اعتراض يواجَه بمصطلحات العمالة والتخوين. وهذا نظام تفسيري مغلق يستطيع امتصاص الأدلّة المضادّة. وهذا ما دفع مجتمعًا بأكمله إلى ممارسة الرقابة الذاتيّة على ذاته خوفًا من التشهير والتخوين. فصار الإعلام المصنوع بالوهم أداة تمّ تجاوز فيها مرحلة الإقناع إلى مرحلة الإسكات.
كما برزت في عصر الذكاء الاصطناعي تلك الدعاية التي تستعمل الصورة القصيرة والموسيقى والرموز الغامضة، مثل الفيديوهات التي كانت تنتجها المنظّمة تارةً في البحر، وتارةً على الثلج، وتارةً أخرى في ساحات الوغى. ومن الأمثلة الحديثة أنّ حزب الله استخدم فيديوهات FPV ومواد بصريّة مصمّمة بعناية ضمن حرب الإدراك خلال الصراع مع إسرائيل وإيران في 2026، وانتشرت هذه المواد عبر شبكات متعدّدة، بما فيها حسابات مرتبطة بالحزب وحسابات إيرانيّة.
وذلك لأنّ مثل هذه الأفلام والفيديوهات، وحتّى الصور، تدفع المتلقّي إلى استنتاج ما يريده صانع المحتوى من دون التصريح به.
فبمجرّد رؤية هذه الفيديوهات، يستنتج المتلقّي بأنّ «المنظّمة» هي قويّة؛ والأكثر، يشعر هو نفسه بوهم القوّة. وهذا ما كان يتمّ ترجمته غالبًا على أرض الواقع باعتداءات على البيئات المختلفة، ليتحوّل اليوم إلى تهديدات علنيّة لكلّ معارضي هذا الفكر.
غرف الصدى وإغلاق العقل
فضلًا عن نظريّة غرف الصدى المغلقة التي تنشأ عبر مجموعات على الواتساب أو التيليغرام وغيرها من تطبيقات المحادثات المجانيّة التي تنتشر فيها المجموعات. فمشترك واحد يرسل رسالة واحدة إلى مجموعة، يكفي أن يشكّ غيره الذي تلقّاها في إمكانيّة أن تكون حقيقة، ولو بنسبة 10%، من هذه المجموعة، ليعيدوا إرسالها إلى مجموعاتهم. وهكذا تصل إلى الناس من مختلف المصادر، فتصبح بحدّ ذاتها ذات مصداقيّة.
يبقى أنّ الأقرب إلى علم النفس السياسي هو مفهوم التحيّز التأكيدي، حيث يميل الشخص إلى قبول كلّ ما يتوافق مع منظومته الفكريّة التي تمّ بناؤها عبر سنوات من التدمير الدماغي. وهذا ما يدفعه إلى التشكيك بأيّ معلومة متعارضة قد تهدّد الرّواسخ الذهنيّة التي باتت مزروعة في لاوعيه.
وهكذا تجتمع الهويّة الجماعيّة القويّة مع الإعلام المتجانس الذي يتمّ رفده مجتمعيًّا بطريقة متكرّرة ألغوريثميًّا، معطوفًا على ذلك كلّه وجود العدو المشترك والضغط الاجتماعي؛ فضلًا عن تلقّي ذلك كلّه من مصادر معلومات مغلقة؛ عندها تنتج بيئة شديدة المقاومة لكلّ ما هو مخالف وحقيقي. فتغرق بالوهم لدرجة الموت في بحر من هذا الوهم.
فهل يأتي اليوم الذي يستيقظ فيه هؤلاء والحقيقة تقرع أبواب عقولهم؟ أم أنّ الحقيقة ستسير منفردة بعد مواكبهم الجنائزية؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير