سلامٌ داخلي ولو بالقوة هو طريقنا الوحيد إلى السلام الخارجي
خاص بوابة بيروت
ربما آن الأوان أن نقولها بوضوح، ومن دون مواربة أو تجميل، لبنان بحاجة إلى سلام داخلي، ولو اضطرت الدولة إلى استخدام قوتها لفرضه، حتى نتمكن من الوصول إلى السلام الخارجي.
قد تبدو العبارة قاسية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة أبسط قواعد بناء الدول. فالسلام ليس أن تتوقف المدافع فقط. السلام هو أن تعرف الدولة من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يحمل السلاح، ومن يحمي الحدود، ومن يقرر متى تبدأ المواجهة ومتى تنتهي.
أما أن تكون الدولة مطالبة بحماية مواطنيها، بينما هناك من يملك القدرة على اتخاذ قرار الحرب خارج مؤسساتها، فهذه ليست دولة كاملة السيادة، مهما حاولنا تجميل الواقع.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة الرئيس جوزاف عون إلى النبطية.
لم تكن أهمية الزيارة في أنها زيارة رئيس إلى مدينة جنوبية فحسب، ولا في الصور التي انتشرت بعدها. أهميتها أنها حملت رسالة سياسية واضحة، الدولة تستطيع أن تصل إلى الجنوب، وأن تكون حاضرة بين أهله، وأن تقول لهم إن حمايتهم مسؤولية الدولة وليست امتيازاً حصرياً لأي حزب أو تنظيم.
والأهم أن الزيارة جاءت في توقيت شديد الحساسية، وفي منطقة لطالما ارتبط اسمها بسردية تقول إن السلاح هو الذي يحمي، وإن المقاومة هي الضمانة الوحيدة، وإن الدولة لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور.
لكن ماذا لو قلبنا السؤال؟ ماذا لو قلنا إن المواطن الجنوبي لا يحتاج إلى من يحتكر حمايته، بل إلى دولة تحميه؟
ماذا لو قلنا إن المواطن الشيعي، قبل أي اعتبار آخر، له الحق في أن يعيش تحت حماية الجيش اللبناني، وأن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية الأولى والأخيرة لأمنه ومستقبل اولاده؟
وهنا لا بد من قول شيء واضح، هذه ليست معركة ضد الشيعة، وليست معركة بين طائفة وطائفة. على العكس تماماً.
إن تحويل مسألة السلاح إلى مسؤولية الطائفة الشيعية وحدها هو أكبر خدمة يمكن أن تقدم لمن يريد إبقاء لبنان أسير هذه المعادلة.
لا يجوز أن نطلب من مواطن شيعي أن يحمل السلاح في وجه سلاح آخر كي يثبت ولاءه للدولة. ولا يجوز أن نضع طائفة كاملة أمام مسؤولية إسقاط تنظيم مسلح. هذه مهمة الدولة. الدولة هي التي تملك الشرعية. والدولة هي التي يجب أن تملك القوة.
والدولة هي التي عليها أن تحمي مواطنيها، لا أن تطلب منهم حماية أنفسهم بأنفسهم. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست مع طائفة، بل مع منطق الدولة الموازية. وليست ضد المقاومة كفكرة، بل ضد أن تتحول المقاومة إلى دولة داخل الدولة.
وليست ضد الجنوب، بل من أجل أن يصبح الجنوب، كما يجب أن يكون، تحت حماية الدولة اللبنانية الكاملة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. لا يمكن أن نطالب إسرائيل بالسلام معنا، بينما لبنان نفسه لم يحسم بعد مسألة من يملك قرار الحرب والسلم. ولا يمكن أن نطالب المجتمع الدولي باحترام سيادة لبنان، فيما نحن نقبل داخلياً بتعدد مراكز القوة والقرار.
ولا يمكن أن نطلب من العالم أن يعترف بلبنان دولة ذات سيادة كاملة، ثم نقول في الوقت نفسه إن هناك جهة أخرى تستطيع أن تقرر متى يحارب لبنان ومتى يفاوض ومتى يهدأ. هذه ليست سيادة. هذه ازدواجية. والسلام الخارجي يبدأ من هنا. من بيروت.
من الجنوب. من كل قرية ومدينة.
من لحظة يصبح فيها المواطن متأكداً أن الدولة هي التي تحميه، وأن الجيش هو القوة الشرعية، وأن القانون لا يتوقف عند أبواب أي حزب أو تنظيم. ولهذا تحديداً لا تكفي زيارة الرئيس عون إلى النبطية. الزيارة مهمة، والرسالة مهمة، والصورة مهمة.
لكن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة الأفعال لا الصور. نريد أن نرى الدولة في الميدان. نريد الجيش أقوى حضوراً.
نريد المؤسسات تعمل. نريد تطبيق القرارات، لا الاكتفاء بإعلانها. نريد أن تصبح سيادة الدولة ممارسة يومية، لا خطاباً في المناسبات. والأهم، نريد أن يشعر أهل الجنوب أن الدولة لا تأتي إليهم فقط عندما تكون هناك أزمة، بل أنها موجودة معهم في الأمن والإنماء والخدمات والاقتصاد والحياة اليومية. لأن أقوى سلاح في مواجهة أي تنظيم مسلح ليس الخطاب السياسي، بل دولة ناجحة، الدولة التي توفر الأمن، الدولة التي تحمي الحدود، الدولة التي تعطي المواطن حقوقه. الدولة التي تؤمن له مستقبلاً أفضل، الدولة التي تجعل المواطن يقول، لماذا أحتاج إلى أي سلاح أو جهة أخرى إذا كانت دولتي تقوم بواجبها؟
عندها فقط يبدأ السلاح الموازي بفقدان مبرره الاجتماعي والسياسي. وهنا يجب أن نفهم أن لبنان لا يحتاج إلى حرب أهلية جديدة كي يستعيد دولته، بل يحتاج إلى دولة قوية بما يكفي لمنع الحرب الأهلية. وهذا هو الفارق الكبير، فاستخدام الدولة لقوتها ضمن القانون ليس حرباً أهلية. بل على العكس، احتكار الدولة للقوة هو الوسيلة الأساسية لمنع اللبنانيين من العودة إلى منطق الميليشيات والكانتونات والسلاح المتعدد. نحن لا نريد لبناناً ينتصر فيه فريق على فريق. نريد لبناناً تنتصر فيه الدولة على منطق الفوضى.
لا نريد شيعياً ينتصر على سنّي، ولا مسيحياً ينتصر على شيعي، ولا طائفة تنتصر على أخرى. نريد لبنانياً ينتصر على الخوف.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس من الشيعة أن يسقطوا حزباً، ولا من المسيحيين أو السنّة أو الدروز أن يخوضوا معركة نيابة عنهم. المطلوب أن تتكافل الدولة، والجيش، والمؤسسات، وكل اللبنانيين الذين يؤمنون بسيادة لبنان، في مشروع واحد وواضح.
سلاح واحد. جيش واحد. قرار واحد. دولة واحدة. وعندها فقط يمكن أن ننتقل إلى المعركة الأكبر، السلام مع الخارج.
لأن الخارج لا يحترم الدولة التي لا تحترم هي نفسها مفهوم الدولة. ولا أحد يستطيع أن يفاوض العالم من موقع قوة إذا كان في الداخل أكثر من صاحب قرار.
ربما تكون زيارة النبطية مجرد خطوة. وربما تكون بداية مسار أطول بكثير.
لكن قيمة الخطوة أنها كسرت حاجزاً نفسياً وسياسياً مهماً، أن الدولة تستطيع أن تدخل إلى الجنوب من بوابة أهل الجنوب، لا من بوابة الخوف. والآن، الكرة في ملعب الدولة. فاللبنانيون لا يريدون المزيد من الخطابات. لا يريدون المزيد من الشعارات.
ولا يريدون أن يسمعوا كل مرة أن الظروف غير مناسبة، وأن الوقت غير مناسب، وأن المنطقة غير مستقرة.
لقد انتظر لبنان طويلاً والمنطقة لن تنتظرنا. إذا أردنا السلام الخارجي، علينا أولاً أن نصنع السلام الداخلي.
وإذا أردنا حدوداً آمنة، علينا أن نملك قرارنا. وإذا أردنا جيشاً يحمي لبنان، فعلينا أن نعطيه الدولة التي يستحقها.
وإذا أردنا أن يتوقف الآخرون عن استخدام لبنان كساحة، فعلينا أولاً أن نتوقف نحن عن السماح بتحويله إلى ساحات.
نريد سلاماً داخلياً، ولو اضطرت الدولة إلى استخدام قوتها لفرضه بالقانون، لأن الدولة التي لا تستطيع أن تفرض السلام في الداخل، لن تستطيع أن تطلب السلام من الخارج. هذه ليست دعوة إلى الحرب. هذه دعوة إلى إنهاء منطق الحرب.
وليست دعوة إلى العنف. بل دعوة إلى أن تصبح القوة الشرعية الوحيدة في لبنان هي قوة الدولة.
فالسلام الحقيقي لا يولد من ضعف الدولة.
السلام الحقيقي يولد عندما تصبح الدولة أقوى من كل من يريد أن يستخدم لبنان ساحةً لحروبه.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير