بقلم السفير رغيد الشّمّاع – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
في الرابع من آب 2020، اهتزت بيروت ولبنان بأسره بانفجار هائل لم يشهد مثيله في تاريخه الحديث. في تمام الساعة السادسة وثماني دقائق مساءً، انفجرت كمية هائلة من نترات الأمونيوم بلغت 2750 طناً، كانت مخزنة بطريقة غير آمنة على الإطلاق في العنبر رقم 12 بمرفأ بيروت منذ أكثر من ست سنوات. كانت هذه المادة قد وصلت إلى المرفأ عام 2013 على متن السفينة “روسوس”، ثم تُركت لتتحول إلى قنبلة موقوتة، رغم التحذيرات المتكررة التي وجهتها إدارة الجمارك وجهات أخرى على مدى سنوات.
لم يكن ما حدث مجرد “حادث” أو “كارثة عرضية”. كان نتيجة مباشرة لإهمال جسيم وتقصير متعمد من قبل سلسلة من المسؤولين والمؤسسات الرسمية الذين كانوا على علم بالخطر الداهم ولم يتحركوا.
هذه الجريمة أودت بحياة أكثر من 218 شهيداً، وأصابت أكثر من سبعة آلاف شخص بجروح متفاوتة، وشردت نحو 300 ألف نسمة بعد تضرر أكثر من 50 ألف وحدة سكنية. كما قدرت الخسائر المادية والاقتصادية بعشرات المليارات من الدولارات، في وقت كان لبنان يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية ومالية خانقة.
الجانب الإنساني: وجوه الضحايا وجراح لا تندمل
وراء كل رقم قصة إنسانية مؤلمة. أمهات فقدن أبناءهن في لحظة، أطفال أصبحوا أيتاماً، عمال وموظفون في المرفأ لم يعودوا إلى منازلهم أبداً، وأسر بأكملها فقدت كل شيء. الجرحى ما زالوا يعانون من إصابات جسدية ونفسية مزمنة، والنازحون الذين فقدوا منازلهم وذكرياتهم ومصادر رزقهم. لم تفرق الكارثة بين طائفة أو منطقة أو جنسية؛ فقد ضربت في قلب بيروت المتعددة والمتنوعة، وكشفت وحدة المعاناة اللبنانية في وجه الموت والدمار.
هذه الجريمة لم تكن مجرد خسارة أرواح وممتلكات؛ كانت ضربة قاسية للنسيج الاجتماعي والنفسي للبنانيين، وأضافت طبقة جديدة من الصدمة واليأس إلى أزمة متعددة الأبعاد.
الجانب القانوني والتحقيقي: الحقيقة طريق العدالة
من الناحية القانونية، يشكل تخزين هذه الكمية الهائلة من مادة شديدة الانفجار دون أي معايير سلامة انتهاكاً صارخاً للقوانين الوطنية والدولية. وقد أثبتت التحقيقات القضائية وجود إهمال جسيم من قبل مسؤولين في الجمارك والمرفأ والوزارات المعنية والأجهزة الأمنية، الذين تجاهلوا التحذيرات المتكررة.
لقد واجه التحقيق العدلي الذي يقوده القاضي طارق البيطار عقبات هائلة وممنهجة على مدى سنوات: ادعاءات الحصانة البرلمانية، محاولات التعطيل، تدخلات سياسية من جهات متعددة، ورفض بعض المسؤولين المثول أمام القضاء. ورغم ذلك، وبعد استئناف العمل في سياق التطورات السياسية التي شهدها لبنان مؤخراً، أنهى القاضي البيطار المرحلة التحقيقية في آذار 2026، موجهاً اتهامات إلى نحو سبعين شخصاً.
إلا أن الطريق نحو المحاكمة الفعلية والمحاسبة الكاملة لا يزال طويلاً وشاقاً. إن حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة كاملة وفي العدالة الناجزة هو حق أساسي لا يسقط بالتقادم، وهو التزام دستوري وأخلاقي على الدولة اللبنانية. أي تعطيل أو تسييس للتحقيق يُعد إهانة إضافية للضحايا واستمراراً لثقافة الإفلات من العقاب.
الجانب السياسي: مرآة لفشل النظام
سياسياً، كشف انفجار المرفأ عن عمق الأزمة البنيوية في نظام الحكم اللبناني. لم يكن الإهمال الذي أدى إلى الكارثة مجرد تقصير فردي، بل نتاج ثقافة المحاصصة الطائفية والمحسوبية والفساد التي سادت لعقود، حيث تُقدَّم مصالح الزعامات والطوائف على سلامة المواطنين وحياتهم.
إن استمرار محاولات تعطيل العدالة يؤكد الحاجة الماسة إلى إصلاح جذري يقوم على بناء **دولة مدنية حديثة**، دولة القانون والمؤسسات المستقلة، لا دولة الطوائف والمحميات السياسية. فبدون محاسبة حقيقية وشفافة، ستظل مثل هذه الكوارث قابلة للتكرار.
الجانب الاجتماعي والاقتصادي: جرح عميق في جسد الوطن
اقتصادياً واجتماعياً، فاقم الانفجار من معاناة اللبنانيين. دمر المرفأ الذي يُعد شريان الحياة الاقتصادية للبلاد، وألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية والمؤسسات التجارية والسياحية والصحية. كما هزّ الثقة بالدولة ومؤسساتها إلى حد بعيد، وأبرز الحاجة إلى تضامن وطني حقيقي يتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية.
الطريق إلى الأمام: من أجل الضحايا ومستقبل لبنان
في هذه الذكرى، نجدد التزامنا بتوثيق الذاكرة الوطنية وإبقاء قضية تفجير المرفأ حية في الوعي العام. إن إنصاف الضحايا وذويهم يتطلب:
– إكمال المسار القضائي بشفافية كاملة ودون أي تدخل سياسي.
– ضمان استقلالية القضاء وتوفير كل الدعم الفني واللوجستي اللازم له.
– فتح الباب أمام أي تعاون دولي فني أو تحقيقي إذا اقتضت الحاجة، لضمان مصداقية النتائج وتجاوز العقبات الداخلية.
– إصلاح جذري لإدارة المرفأ والمؤسسات المعنية بالسلامة العامة.
– الانتقال نحو دولة مدنية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على المحاصصة والإفلات من العقاب.
إن الرابع من آب ليس مجرد ذكرى أليمة، بل محطة وطنية تفرض علينا جميعاً واجب العمل من أجل لبنان مختلف: لبنان لا يُهمل فيه أمن مواطنيه، ولا يُحمى فيه المسؤولون على حساب أرواح الناس.
رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وألهم ذوي الضحايا الصبر والقوة. والعدالة آتية لا محالة، إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة والشجاعة الكافية لمواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية.
الذاكرة الوطنية حية… والعدالة واجب.
لن نسمح بتكرار الكارثة.
