صيدا القديمة أمام اختبار الثقافة والاقتصاد

هل تتحول الثروة الأثرية إلى مشروع للنهوض؟

خاص بوابة بيروت

تملك صيدا القديمة ما يكفي لتكون أكثر من مجرد ذاكرة معلّقة بين أزقة وأسواق وأبنية تاريخية، فهي مدينة تختزن آلاف السنين من التاريخ، وتجمع في نسيجها العمراني والإنساني قلاعًا وأسواقًا وأماكن عبادة وأحياء سكنية، تعكس مراحل متعاقبة من تاريخ المدينة وتنوعها الثقافي. لكن هذا الإرث الاستثنائي يطرح سؤالًا يتجاوز الحفاظ على الماضي، إلى كيفية تحويله إلى فرصة حقيقية للنهوض الثقافي والسياحي والاقتصادي.

هذه الإشكالية حضرت بقوة في الندوة التي عقدت مساء الأربعاء 9 أيلول 2026 في مقر منتدى سبعين الثقافي في صيدا، بدعوة من المنبر البلدي لمدينة صيدا، ومنتدى سبعين الثقافي، والجمعية اللبنانية الدولية للتدريب والتنمية، تحت عنوان “مدينة صيدا القديمة، بين طبيعتها الأثرية وقيمتها الاقتصادية”، وبحضور نخبة من الناشطين والمثقفين والمهتمين بتاريخ المدينة ودورها وخصوصيتها.

وجاءت الندوة في توقيت لافت، مع اقتراب عام 2027 الذي يُرتقب أن يشهد إعلان صيدا عاصمة ثقافية بالتعاون مع مدينة قرطبا الإسبانية، الأمر الذي دفع المشاركين إلى طرح أسئلة حول قدرة المدينة على الاستفادة من هذا الاستحقاق، وحول ضرورة الانتقال من الاحتفاء بالتراث إلى وضع خطة عملية لحمايته والتعريف به واستثماره اقتصاديًا وسياحيًا.

رئيس منتدى سبعين الثقافي وليد العاصي افتتح الندوة بالتأكيد على أهمية إعادة تسليط الضوء على المدينة القديمة، ليس فقط باعتبارها موقعًا أثريًا، بل باعتبارها جزءًا أساسيًا من هوية صيدا المتعددة ثقافيًا وتاريخيًا. واعتبر أن اللقاء يشكل بداية لمسار ثقافي يتضمن ندوات ومحاضرات وفعاليات تتناول واقع المدينة وحاجاتها وتاريخها ودورها، بالتزامن مع الاستعداد لإعلانها عاصمة ثقافية.

المهندس علي اليمن، عضو المنبر البلدي لمدينة صيدا، تناول البعد الأثري والتاريخي والمعماري للمدينة، مستعرضًا أبرز مكوناتها من قلاع وأسواق وأماكن عبادة وأحياء سكنية وتجارية. وأشار إلى أن تاريخ صيدا القديمة يمتد لآلاف السنين وقد يتجاوز خمسة آلاف عام، ما يجعلها إرثًا تاريخيًا استثنائيًا يستوجب الحفاظ عليه وترميمه وفق معايير تصون طابعه الأصلي.

ولفت اليمن إلى ضرورة إعادة تعريف الأجيال الشابة، ولا سيما أبناء صيدا، بمدينتهم القديمة، وتشجيعهم على زيارتها واكتشاف تفاصيلها ومعالمها، معتبرًا أن حماية التراث تبدأ بتحويله من ذاكرة بعيدة إلى معرفة حية لدى أبناء المدينة.

بدورها، عرضت المهندسة مريم البساط خارطة تفصيلية للمدينة القديمة، توضح أقسامها ومواقعها وأهميتها التاريخية، مؤكدة أن وجود خارطة سياحية متكاملة يمكن أن يساعد الزوار والسياح على اكتشاف المعالم المتعددة للمدينة، التي تضم نماذج بارزة من فن العمارة والتراث العمراني.

أما الدكتور عبد البديع الددا، عضو المنبر البلدي وعضو الجمعية اللبنانية الدولية للتدريب والتنمية، فانتقل بالنقاش إلى البعد الاقتصادي، مشددًا على أن المدينة القديمة يمكن أن تكون محركًا للسياحة والاستثمار وخلق فرص العمل، إذا جرى تطوير خطة ترويجية محلية وخارجية تستفيد من ثروتها التاريخية.

ورأى الددا أن جذب السياح والمستثمرين يتطلب الحفاظ على البيئة والتراث العمراني، إلى جانب تطوير الخدمات والترويج لصيدا كوجهة سياحية متكاملة، معتبرًا أن ضعف الدور الرسمي والتسويق السياحي يحول دون الاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تختزنها المدينة.

واختتمت الندوة بنقاش بين الحاضرين حول واقع صيدا والتحديات التي تواجهها، مع تأكيد ضرورة مواصلة عقد اللقاءات والندوات التي تبحث مستقبل المدينة من مختلف الجوانب.

ويبقى التحدي الأساسي أمام صيدا واضحًا، فإعلانها عاصمة ثقافية لا ينبغي أن يكون مناسبة احتفالية عابرة، بل فرصة لإطلاق مشروع متكامل يعيد الاعتبار إلى المدينة القديمة، ويحمي تراثها، ويعرّف العالم إلى خصوصيتها، ويحوّل تاريخها الممتد لآلاف السنين إلى رافعة ثقافية وسياحية واقتصادية لأبنائها ومستقبلها.

اخترنا لك