لبنان أمام منعطف كبير : بين الطائفية السياسية والدولة المدنية

الانتقال إلى دولة أكثر مدنية لا يعني إلغاء الدين أو الطوائف أو حرية المعتقد. بل يعني أن تكون الدولة ومؤسساتها ملكًا لجميع المواطنين، وأن لا تتحول الهوية الدينية إلى معيار للحصول على وظيفة أو منصب أو حق سياسي أو إداري...

خاص بوابة بيروت

يقف لبنان أمام منعطف كبير. فهناك رياح تغيير تهب في المجتمع، في مقابل نظام سياسي ما زال يقوم إلى حد كبير على الطائفية السياسية والمحاصصة. والسؤال الأساسي اليوم ليس فقط: هل يستطيع لبنان تغيير نظامه؟ بل: هل ما زال اللبنانيون مقتنعين بأن الديمقراطية يمكن أن تستمر في ظل نظام تُوزَّع فيه المناصب والنفوذ وفق الانتماءات الطائفية والسياسية، بدل أن تكون الكفاءة والمصلحة العامة أساسًا للاختيار؟

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المحاصصة الطائفية لا تضمن بالضرورة حسن إدارة الدولة. فعندما تصبح المناصب الحكومية والإدارية مرتبطة بالتوازنات الطائفية وبالولاءات السياسية والمحسوبيات، تصبح الكفاءة في كثير من الأحيان عاملًا ثانويًا، ويصبح الإصلاح الحقيقي أكثر صعوبة.

والأخطر أن العلاقة بين السياسة وبعض المرجعيات الدينية تتحول أحيانًا إلى منظومة متشابكة من المصالح والولاءات؛ فيحصل السياسي على الدعم، وتحصل الجهات المستفيدة على النفوذ والحماية، بينما يبقى المواطن أمام دولة عاجزة عن تأمين أبسط حقوقه.

النتيجة كانت دولة أنهكها الانهيار الاقتصادي والمالي، ومؤسسات فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على تلبية احتياجات المواطنين، وشباب يبحثون عن مستقبلهم خارج لبنان. كما فقد القطاع المصرفي، الذي كان لعقود أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني، جزءًا كبيرًا من دوره وثقة الناس به، في وقت أصبحت فيه المالية العامة عاجزة عن تلبية طموحات اللبنانيين.

أما الإدارة العامة، فما زالت تعاني من أنظمة إدارية قديمة وبيروقراطية متراكمة. وفي عصر التحول الرقمي، لم يعد تحديث الإدارة واستخدام البرمجة والأنظمة الإلكترونية رفاهية، بل أصبحا ضرورة لمكافحة الفساد وتقليل التدخل البشري في المعاملات والحد من الواسطة والرشوة.

فكلما أصبحت المعاملة إلكترونية وشفافة وقابلة للتتبع، تراجعت مساحة التدخل الشخصي، وأصبح من الصعب تمرير المعاملات خارج القواعد الموضوعة لها.

ماذا خسر لبنان؟

كان لبنان يمتلك مجموعة من القطاعات التي شكّلت لعقود عناصر قوة حقيقية في اقتصاده ومجتمعه، بفضل قدرات اللبنانيين أنفسهم، حتى في ظل ضعف الدولة:

  • القطاع المصرفي والخدمات المالية.
  • القطاع الطبي والاستشفائي.
  • السياحة بمختلف أشكالها.
  • التعليم والجامعات.
  • الاتصالات والإنترنت والبرمجة والتكنولوجيا.
  • الزراعة والصناعات المرتبطة بها.
  • المرفأ والنقل والخدمات اللوجستية.

هذه القطاعات لم تكن مجرد مصادر للدخل، بل كانت تعكس قدرات بشرية لبنانية استطاعت أن تنافس في المنطقة والعالم.

لكن المشكلة لم تكن دائمًا في غياب الكفاءات. فلبنان يمتلك طاقات بشرية كبيرة، وإنما في عدم قدرة الدولة على توفير الإطار القانوني والمؤسساتي الحديث الذي يحمي هذه الطاقات ويمنحها البيئة المناسبة للاستثمار والنمو.

وعندما تفشل الدولة في حماية القطاعات المنتجة، وتتعطل القوانين، وتتضخم البيروقراطية، وتنتشر المحسوبيات، يصبح النجاح الفردي عاجزًا عن إنقاذ الاقتصاد بأكمله.

السؤال الذي يواجه لبنان

المسألة اليوم ليست مجرد استبدال أشخاص بأشخاص، ولا استبدال زعيم بزعيم.

السؤال الأعمق هو: أي دولة يريد اللبنانيون؟

هل يريدون دولة تستمر فيها المحاصصة الطائفية باعتبارها الآلية الأساسية لتوزيع السلطة؟ أم دولة مدنية يكون فيها الانتماء الوطني والمواطنة والكفاءة وسيادة القانون أساسًا لإدارة المؤسسات؟

الانتقال إلى دولة أكثر مدنية لا يعني إلغاء الدين أو الطوائف أو حرية المعتقد. بل يعني أن تكون الدولة ومؤسساتها ملكًا لجميع المواطنين، وأن لا تتحول الهوية الدينية إلى معيار للحصول على وظيفة أو منصب أو حق سياسي أو إداري.

لبنان لا يحتاج فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحديث الإدارة، ورقمنة الخدمات، واستقلال القضاء، وإعادة تنظيم القطاعات الاقتصادية، ووضع قوانين حديثة تحمي الاستثمار والإنتاج، وتفتح المجال أمام الشباب للبقاء والعمل داخل وطنهم.

فالثروة الحقيقية للبنان ليست في طوائفه ولا في زعمائه، بل في الإنسان اللبناني نفسه.

وإذا كان لبنان قد خسر الكثير خلال السنوات الماضية، فإن استعادة قدرته لا تبدأ فقط من إعادة بناء الأبنية أو المصارف أو المرافئ، بل من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

لبنان أمام خيار تاريخي: أن يبقى أسير نظام سياسي تتداخل فيه الطائفة والسياسة والمصلحة، أو أن يبدأ تدريجيًا ببناء دولة حديثة يكون فيها القانون فوق الجميع، والكفاءة معيارًا، والمواطنة أساسًا، والمؤسسات أقوى من الأشخاص.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك