من محاولة استهداف مكة إلى خنق باب المندب : خطر حوثي يفرض تحركاً دولياً
خاص بوابة بيروت
لم تعد المواجهة مع الحوثيين شأناً يمنياً داخلياً، ولا نزاعاً يمكن للعالم أن يراقبه من بعيد وكأن آثاره ستبقى محصورة داخل حدود اليمن. فمع انتقال الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى تهديد المدن السعودية والمنشآت الحيوية، واتساع نطاق الخطر إلى البحر الأحمر وباب المندب والملاحة التجارية الدولية، ثم إعلان المملكة العربية السعودية اعتراض طائرة مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة، بات التصعيد يمس في الوقت نفسه أمن المقدسات وسيادة الدول وحرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة والغذاء والتجارة العالمية.
وما يجري اليوم يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية لم يعد ممكناً تأجيلها. فتهديد السفن والموانئ والطاقة والمدنيين لا يمكن التعامل معه بوصفه أزمة إقليمية عابرة، لأن نتائجه قادرة على الوصول إلى اقتصادات ومجتمعات تبعد آلاف الكيلومترات عن اليمن والبحر الأحمر. وكل تأخر في تطبيق القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن وملاحقة مصادر التسليح والتمويل يمنح الخطر وقتاً إضافياً للتحول من اعتداءات متفرقة إلى تهديد أكثر اتساعاً للسلم والأمن الدوليين.
مكة المكرمة في مرمى التصعيد الحوثي
لم تعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران مجرد امتداد للحرب اليمنية، بل أصبحت جزءاً من نمط من الهجمات العابرة للحدود شمل مدناً ومنشآت مدنية ومواقع حيوية وممرات بحرية. وفي 15 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت السعودية اعتراض وتدمير طائرة مسيرة حوثية جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة، ووصف التحالف الحادثة بأنها ثاني محاولة معروفة لاستهداف مكة بعد واقعة صاروخ باليستي عام 2017.
وسبق أن أعلن التحالف في 27 يوليو/تموز 2017 اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون فوق منطقة الواصلية في محافظة الطائف، على مسافة نحو 69 كيلومتراً من مكة، وقال حينها إن الصاروخ كان متجهاً نحو المدينة وإن العملية جاءت في توقيت يسبق موسم الحج. وبذلك فإن حادثة سبتمبر/أيلول 2026 لا تأتي في فراغ، بل تعيد إلى الواجهة سابقة خطيرة ارتبط فيها السلاح الحوثي بمحيط أقدس مدينة إسلامية.
ولا يمكن التعامل مع وصول سلاح هجومي إلى هذا المحيط باعتباره حادثاً عسكرياً عادياً أو تفصيلاً جانبياً في الصراع. فنحن أمام جماعة مسلحة مدعومة من إيران ارتبط سجلها بهجمات عابرة للحدود واستهداف للمدنيين والبنية التحتية والملاحة التجارية، وقد استخدم مجلس الأمن نفسه في القرار 2624 لعام 2022 تعبير “الجماعة الحوثية الإرهابية” عند إدانته هجماتها عبر الحدود على السعودية والإمارات، كما أخضع الحوثيين لحظر سلاح مستهدف ضمن نظام العقوبات الخاص باليمن.
ومكة المكرمة ليست مجرد مدينة سعودية، إنها مركز ديني عالمي يقصده ملايين المسلمين من مختلف الدول. ولذلك فإن وصول الصواريخ أو الطائرات المسيّرة إلى نطاق يهدد سكانها أو زوارها أو مرافقها الدينية والمدنية يحمل أبعاداً أمنية وإنسانية ودينية تتجاوز الحساب العسكري المباشر، ويخلق حالة من الترهيب لا تتوقف عند حدود المملكة.
ومن منظور القانون الدولي الإنساني، القاعدة الأساسية واضحة: يجب التمييز في جميع الأوقات بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ولا يجوز توجيه الهجمات إلا إلى أهداف عسكرية تستوفي الشروط القانونية المحددة، فيما يحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية والهجمات العشوائية وغير المتناسبة. وتعد أماكن العبادة من الأعيان المدنية المحمية ما لم تتحول، وفق الشروط الصارمة التي يحددها القانون، إلى أهداف عسكرية.
وعليه، فإن أي استهداف متعمد لموقع ديني أو مدني، متى ثبتت عناصره الواقعية والقصد الجنائي المطلوب، يمكن أن يثير مسؤولية جنائية دولية ويصل، بحسب طبيعة النزاع والوقائع، إلى مستوى جريمة حرب. وفي حالة مكة، تجعل قدسية المكان والكثافة البشرية المرتبطة بالحج والعمرة أي خطر عسكري متعمد على المدنيين أو الأعيان الدينية مسألة تستوجب أعلى درجات الاهتمام الدولي.
باب المندب ليس ممراً يمنياً بل شرياناً دولياً
إذا كانت محاولة الوصول إلى محيط مكة تكشف خطورة التصعيد من الناحية الأمنية والدينية، فإن البحر الأحمر وباب المندب يكشفان وجهه الدولي والاقتصادي. فهذه الممرات ليست جزءاً من ملكية نزاع داخلي، ولا يجوز تحويلها إلى ورقة عسكرية في يد أي جماعة مسلحة قادرة على تهديد السفن التجارية أو فرض الخوف على حركة الملاحة.
البحر الأحمر يمثل أحد أهم المسارات التي تصل آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر قناة السويس، وأي اضطراب مستمر في هذا الطريق يدفع شركات الشحن إلى إعادة حساب المخاطر أو تغيير المسارات والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وهذا يعني رحلات أطول، واستهلاكاً أكبر للوقود، وارتفاعاً في أقساط التأمين والشحن، وتأخيراً في وصول المواد الخام والسلع والمنتجات الأساسية.
وقد أكدت المنظمة البحرية الدولية في يوليو/تموز 2026 أن الهجمات المتجددة على الملاحة الدولية في البحر الأحمر تهدد أرواح البحارة وأمن النقل البحري والبيئة البحرية واستقرار سلاسل الإمداد العالمية، وشددت على أن البحر الأحمر ممر حيوي للتجارة الدولية وأن استمرار الهجمات يقوض حرية الملاحة ويزيد احتمالات التصعيد. وفي أغسطس/آب 2026 جددت المنظمة التحذير بعد مقتل بحارة في هجوم على سفينة شحن قرب الساحل اليمني، مؤكدة أن استمرار هذه الهجمات يهدد سلاسل الإمداد التي يعتمد عليها الجميع.
ومن هنا فإن الصاروخ الذي يطلق باتجاه سفينة في البحر الأحمر لا ينتهي أثره عند جسم السفينة. فالملاحة الدولية شبكة مترابطة: السفينة قد تكون مملوكة لشركة في دولة، وترفع علم دولة أخرى، ويعمل عليها طاقم من جنسيات متعددة، وتحمل مواد أولية ومنتجات مخصصة لأسواق في قارات مختلفة. والاعتداء عليها يمكن أن يمس مصالح عدة دول في اللحظة نفسها.
الغذاء والطاقة والأسعار: من يدفع ثمن الصاروخ الحوثي؟
الآثار الاقتصادية لاضطراب الممرات البحرية لا تبقى في دفاتر شركات الشحن. عندما تضطر سفينة حاويات أو ناقلة إلى اتخاذ طريق أطول، تزداد تكاليف الوقود والوقت والتأمين والتشغيل، ثم تنتقل هذه الكلفة تدريجياً إلى أسعار البضائع والمواد الأولية والطاقة والغذاء والدواء.
وقد حذرت الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن اضطرابات البحر الأحمر وقناة السويس تزيد تكاليف النقل، وتضغط على سلاسل الإمداد، ويمكن أن تنعكس على أسعار الطاقة والغذاء، فيما تتحمل الاقتصادات النامية والدول الأكثر اعتماداً على الواردات جزءاً أكبر من الصدمة. كما أظهرت أزمة البحر الأحمر السابقة أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح رفعت المسافات التشغيلية والطلب على السفن وأثرت في أسعار الشحن.
ولهذا فإن الدول التي تبعد جغرافياً عن البحر الأحمر ليست بعيدة اقتصادياً عن الخطر. قد لا يصل صاروخ حوثي إلى باريس أو مدريد أو طوكيو أو بوينس آيرس، لكن أثره على سفينة أو ممر تجاري يمكن أن يصل إليها عبر الأسعار والتضخم وتكاليف النقل واضطراب الإمدادات.
والدول الفقيرة هي الأكثر تعرضاً لهذا النوع من الصدمات، لأنها تملك قدرة أقل على استيعاب ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والتأمين والنقل. ومن هنا يتحول أمن باب المندب من مسألة بحرية إقليمية إلى عنصر من عناصر الأمن الاقتصادي والغذائي العالمي.
القانون الدولي لا يسمح بتحويل البحر الأحمر إلى ساحة ابتزاز
المجتمع الدولي لا يفتقر إلى أساس قانوني للتعامل مع الاعتداءات على الملاحة. ففي القرار 2722 لعام 2024 طالب مجلس الأمن الحوثيين بوقف هجماتهم على السفن التجارية فوراً، مؤكداً أن هذه الاعتداءات تعرقل التجارة العالمية وتقوض حقوق وحريات الملاحة والسلام والأمن الإقليميين. كما أكد ضرورة احترام حقوق الملاحة للسفن التجارية، وأشار إلى حق الدول، وفقاً للقانون الدولي، في الدفاع عن سفنها من الهجمات.
والقرار نفسه أعاد التشديد على حظر السلاح المفروض على الحوثيين، وأدان تزويدهم بالأسلحة والمعدات ذات الصلة بالمخالفة للقرار 2216، ودعا إلى مزيد من التعاون العملي لمنع حصولهم على المواد التي تمكنهم من تنفيذ هجمات إضافية. وهذه نقطة جوهرية، لأن مواجهة الخطر قانونياً لا تبدأ عند اعتراض الصاروخ بعد إطلاقه، بل عند منع انتقال السلاح والمكونات والتكنولوجيا التي تسمح بإطلاقه أصلاً.
ويضاف إلى ذلك الإطار القانوني لاتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية “SUA”، التي وضعت نظاماً دولياً لتجريم أفعال خطيرة ضد السفن والملاحة، ومنها بعض أشكال الاستيلاء بالقوة والعنف ضد الأشخاص الموجودين على متن السفن والأفعال التي تعرض سلامة الملاحة للخطر، وفقاً لشروط الاتفاقية واختصاصاتها.
أما القرار 2624 لعام 2022 فقد ذهب إلى أبعد من مجرد الإدانة السياسية؛ فقد اعتمد مجلس الأمن القرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ووصف الهجمات العابرة للحدود التي شنتها “الجماعة الحوثية الإرهابية”، كما أدرج الحوثيين ككيان خاضع لحظر السلاح المستهدف. وتضمن ملحق القرار سجلاً من الاعتداءات على المدنيين والبنية التحتية والملاحة التجارية وتهديدات باستهداف مواقع مدنية.
المشكلة إذاً ليست في غياب النصوص، بل في تنفيذها. فقرارات مجلس الأمن توفر إطاراً قانونياً لملاحقة خروقات حظر السلاح وقطع قنوات الإمداد ومراقبة شبكات التهريب، بينما توفر قوانين الدول الوطنية أدوات إضافية لملاحقة التمويل والدعم المادي عندما تستوفي الأفعال شروط التجريم في تلك الأنظمة.
إيران ومسؤولية بناء القدرات الحوثية
لا يمكن فهم القدرات العسكرية التي راكمها الحوثيون خلال السنوات الأخيرة من دون النظر إلى الدور الإيراني في تسليح الجماعة وتطوير إمكاناتها العملياتية. فقد نقلت رويترز في سبتمبر/أيلول 2026 عن مصادر إيرانية ويمنية وإقليمية أن طهران قدمت للحوثيين التمويل والأسلحة والمشورة العسكرية، وأن عناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني شاركت في دعم عملياتهم الأخيرة على الساحل الغربي لليمن.
والأمر لا يقوم فقط على تقارير صحفية. فقد خلص فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن في تقريره النهائي لعام 2024 إلى أن الحوثيين تلقوا مساعدات تقنية وتدريباً وأسلحة ودعماً مالياً من إيران، إلى جانب جهات أخرى مرتبطة بما يسمى “محور المقاومة”. ووصف الفريق حجم وطبيعة نقل المواد والتكنولوجيا العسكرية من مصادر خارجية بأنه غير مسبوق.
كما أكد الفريق أن الحوثيين لا يملكون، من دون دعم خارجي، القدرة على تطوير وإنتاج معظم منظومات الأسلحة المعقدة التي باتت ضمن ترسانتهم، ومنها الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن والطائرات المسيّرة الهجومية وبعض الأنظمة البحرية المتقدمة.
وهذه الوقائع تضع شبكات التسليح والتدريب ونقل التكنولوجيا والتمويل في قلب أي معالجة قانونية حقيقية للملف. فالمسؤولية لا تتوقف بالضرورة عند الشخص الذي يضغط زر الإطلاق؛ هناك أيضاً مسؤوليات قانونية تتعلق بخرق حظر السلاح وتسهيل نقل المواد المحظورة وتمويل العمليات، بينما تخضع نسبة المسؤولية الدولية عن فعل عسكري معين إلى دولة أخرى لقواعد قانونية أكثر تحديداً تتعلق بالإسناد والمساعدة والمعرفة والوقائع المثبتة.
وعليه، فإن مكافحة تدفق السلاح والتكنولوجيا إلى الحوثيين يجب أن تكون ملفاً مستقلاً قائماً بذاته، لا ملحقاً ببيانات الإدانة التي تصدر بعد وقوع الهجمات. فتعطيل شبكات النقل والتهريب والتمويل أكثر فاعلية من انتظار وصول الصاروخ إلى سماء مدينة أو السفينة إلى منطقة الخطر ثم محاولة التعامل مع النتيجة.
السعودية في خط الدفاع عن أمن المنطقة والعالم
المملكة العربية السعودية ليست طرفاً مساوياً لجماعة مسلحة خارجة عن إطار الدولة، بل دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، تتمتع بثقل عربي وإسلامي ودولي، ولها حق أصيل في حماية أراضيها وسكانها ومقدساتها ومنشآتها الحيوية من الهجمات المسلحة. وهذا الحق لا يحتاج إلى منحة سياسية من أي طرف، بل تؤكده المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تقر للدول بحق الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح، مع خضوع ممارسة هذا الحق للقواعد ذات الصلة في القانون الدولي.
كما أن مواجهة التنظيمات الإرهابية ليست تجربة جديدة بالنسبة إلى السعودية. ففي أعقاب موجة هجمات تنظيم القاعدة داخل المملكة منذ عام 2003، نفذت السلطات السعودية سلسلة واسعة من العمليات الأمنية ضد الخلايا المسلحة، وأشارت تقارير مكافحة الإرهاب آنذاك إلى تفكيك خلايا وملاحقة واعتقال أو قتل عدد كبير من قيادات وعناصر التنظيم داخل البلاد.
ومع ظهور تنظيم داعش، واصلت السعودية عملياتها ضد الخلايا المرتبطة بالتنظيم داخل أراضيها، في الوقت الذي أصبحت فيه عضواً وشريكاً في التحالف الدولي ضد داعش، وشاركت في الجهود الأمنية والمالية والسياسية المرتبطة بمكافحة التنظيم وتمويل الإرهاب.
واليوم تواجه المملكة نمطاً مختلفاً من التهديد يتمثل في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات العابرة للحدود. والتصدي لهذه الهجمات هو أولاً ممارسة لحق دولة ذات سيادة في حماية سكانها وأراضيها، لكنه يؤدي في الوقت نفسه وظيفة أوسع عندما يتعلق الأمر بحماية الموانئ ومرافق الطاقة والممرات المرتبطة بالبحر الأحمر.
فاستقرار السعودية لا ينفصل اقتصادياً عن استقرار أسواق الطاقة والتجارة والملاحة في المنطقة. وحماية المدن السعودية والمنشآت النفطية والموانئ وخطوط التصدير، ومنع استخدام الساحل اليمني والمناطق المطلة على باب المندب كمنصات مستمرة لتهديد الملاحة، لها نتائج تتجاوز الحدود الوطنية للمملكة لأنها تمس طرقاً تعتمد عليها اقتصادات عديدة حول العالم.
وفي هذا السياق، لا ينبغي اختزال الدور السعودي في كونه دفاعاً عن حدود المملكة فحسب. فالسعودية واجهت القاعدة ثم داعش داخل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، واليوم تجد نفسها أمام تهديد حوثي يعتمد بصورة كبيرة على الصواريخ والطائرات المسيّرة وقدرات بحرية أكثر تطوراً. والجامع بين هذه المراحل هو أن الإرهاب المسلح، مهما تغيرت أسماؤه وأدواته، لا يبقى خطره محصوراً بالدولة التي تقع في خط المواجهة الأول.
الخطر الحوثي مسؤولية دولية لا أزمة محلية
بعد تثبيت الإطار الاقتصادي والقانوني والدور السعودي، تصبح المسؤولية الدولية أكثر وضوحاً. فالمطلوب ليس تكرار بيانات “الإدانة” و”القلق” بعد كل هجوم، وإنما تحويل القرارات الموجودة أصلاً إلى آليات تنفيذ قادرة على تقليص قدرة الحوثيين على الحصول على السلاح والتمويل والتكنولوجيا وتنفيذ العمليات العابرة للحدود.
ويشمل ذلك مراقبة طرق التهريب والتوريد، وتعقب مكونات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتطوير تبادل المعلومات بين الدول، وتعزيز أمن الموانئ والسواحل والممرات البحرية، وملاحقة شبكات التمويل والشركات والوسطاء الذين يثبت تورطهم في مخالفة العقوبات أو حظر السلاح، وإخضاع أي إجراءات عسكرية أو أمنية لقواعد القانون الدولي الواجبة التطبيق.
فالتحرك الدولي الحقيقي لا يعني بالضرورة حرباً مفتوحة أو تفويضاً غير محدود باستخدام القوة. هناك مساحة واسعة من الأدوات القانونية والمالية والاستخباراتية والدبلوماسية والبحرية يمكن استخدامها قبل الوصول إلى ذلك المستوى، بدءاً من تطبيق العقوبات وحظر السلاح وانتهاءً بحماية السفن وتعزيز قدرات الدول الساحلية على تأمين الممرات البحرية.
أما انتظار غرق سفينة أخرى، أو مقتل بحارة جدد، أو استهداف ميناء أو منشأة طاقة، ثم التحرك بعد وقوع الكارثة، فهو يعكس سياسة رد فعل لا سياسة وقاية. وقد أثبتت أحداث البحر الأحمر أن تكلفة الهجوم لا تقتصر على الضحايا المباشرين، بل تنتقل سريعاً إلى التجارة والأسواق وسلاسل الإمداد. وقد وصفت المنظمة البحرية الدولية الهجمات الأخيرة بأنها تهديد مباشر لأمن النقل البحري واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا فإن كل دولة تعتمد على البحر الأحمر أو قناة السويس أو التجارة البحرية أو استقرار أسعار الطاقة والغذاء تملك مصلحة أمنية واقتصادية مباشرة في منع تحول باب المندب إلى ساحة دائمة للتهديد المسلح. الأمن البحري هنا ليس شأناً عربياً خاصاً، بل جزء من بنية الأمن الاقتصادي الدولي.
وتأتي حادثة مكة لتضع فوق كل ذلك بعداً إضافياً لا يمكن تجاهله. فعندما يصل سلاح هجومي إلى محيط أقدس مدينة في العالم الإسلامي، بالتوازي مع تهديد السفن والموانئ والممرات البحرية، فإن الخط الفاصل بين “الأزمة الإقليمية” و”الخطر الدولي” يصبح أكثر وضوحاً.
الحوثيون: من جماعة مسلحة محلية إلى قضية تمس السلم والأمن الدوليين
الخلاصة القانونية لا تحتاج إلى إعادة سرد جميع القرارات السابقة. مجلس الأمن وثق هجمات الحوثيين على المدنيين والبنية التحتية والملاحة التجارية، ووصف في القرار 2624 هجماتهم العابرة للحدود بأنها هجمات صادرة عن “الجماعة الحوثية الإرهابية”، وأخضعهم لحظر سلاح مستهدف، ثم عاد في القرار 2722 ليطالبهم بوقف الهجمات على السفن مؤكداً أنها تعرقل التجارة العالمية وتقوض حقوق الملاحة والسلام والأمن الإقليميين.
وبالتالي فإن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد فصيل يمني محلي لم يعد يعكس طبيعة الخطر الذي توثقه القرارات والتقارير الدولية. فالجماعة تمتلك قدرات صاروخية وجوية وبحرية، وتنفذ هجمات عابرة للحدود، وارتبط اسمها بالاعتداء على السفن التجارية وتهديد المدنيين والمنشآت الحيوية، فيما يخضع تسليحها أصلاً لحظر دولي ملزم.
ولا يوجد حتى الآن تصنيف أممي عام وموحد للحوثيين تحت تسمية “منظمة إرهابية” بالطريقة التي توجد بها قوائم وطنية في بعض الدول، لكن ذلك لا يمنع الدول، وفق أنظمتها القانونية، من تقييم أفعال الجماعة ومدى انطباق شروط التصنيف الإرهابي والعقوبات المالية والجنائية عليها. وما لا يحتاج إلى اجتهاد سياسي هو أن مجلس الأمن نفسه استخدم توصيف “الجماعة الحوثية الإرهابية” في القرار 2624، وأن سجل الهجمات والحظر المفروض عليها يشكل أساساً قانونياً جدياً لأي دولة تراجع طريقة تعاملها مع الجماعة.
والقضية في النهاية أكبر من الخلاف على التسمية. فعندما تستهدف جماعة مسلحة دولة ذات سيادة، وتهدد المدنيين، وتعرض الملاحة الدولية للخطر، وتؤثر في التجارة والطاقة والغذاء، وتتلقى أسلحة وتقنيات في تحد لحظر دولي، فإن آثار أعمالها تصبح مرتبطة مباشرة بالسلم والأمن الدوليين.
ومحاولة الوصول إلى محيط مكة المكرمة يجب أن تكون جرس إنذار إضافياً لا حادثة تعبر ثم تنسى. فالأمن هنا سلسلة واحدة: أمن مكة والمدن السعودية، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وأمن السفن والبحارة، وأمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
وعندما يهدد الحوثيون هذه السلسلة، فإن النتائج لا تتوقف عند اليمن ولا عند السعودية. العالم قد لا يسمع صوت الصاروخ، لكنه يمكن أن يدفع ثمنه في الميناء والسوق ومحطة الوقود وسعر الغذاء.
وهنا تكمن حقيقة الخطر: لم يعد السؤال متعلقاً بقدرة الحوثيين على إصابة هدف واحد، بل بقدرتهم على إبقاء منطقة حيوية من النظام الاقتصادي والأمني الدولي تحت التهديد. وكلما تأخر تنفيذ الأدوات القانونية والأمنية الموجودة أصلاً، ارتفعت كلفة التعامل مع هذا الخطر بعد أن يتحول من تهديد قابل للاحتواء إلى أزمة أوسع.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير