رسالة الى الفاسِد

إنّه الوجهُ البَشِعُ الذي شكّلَ تراجيديا الإدارات الرسميّة، والمؤسَّساتِ التّابعةِ للدّولة، ولم يزل، حتى السّاعة. ولم يَسعَ حكمٌ الى تَلميعِه بالإصلاحِ المُرتَجى، إلّا بالخُطَبِ، فازدادَ بشاعةً وتَخَلُّفًا.

خاص بوابة بيروت

لقد اعتادَ الناسُ، عندنا، أن يصنِّفوا المَسؤولَ في الإداراتِ الرسميةِ، والمؤسّساتِ العامة، ” فاسِدًا “، وأن يَضعوا عنوانَ ” إهمال ” على يافطةِ كلِّ الإداراتِ والمؤسّسات التّابعةِ للدولة، وحتى المُستَقِلَّةِ منها. والنّاسُ لا يُلامون، لأنّ تجاربَهم مع هذه المرجعيّات، لِزَمنٍ طويل، لا تُغري بِصَبغِها بلونٍ فاتِح. فالرّشاوى، والتّأجيل، والنّهب، والابتزاز، جعلَت حَيطَ الدولةِ الإِداريّةِ واطِيًا، واحترامَها مُغَيَّبًا، واتّهامها مُبَرَّرًا.

إنّه الوجهُ البَشِعُ الذي شكّلَ تراجيديا الإدارات الرسميّة، والمؤسَّساتِ التّابعةِ للدّولة، ولم يزل، حتى السّاعة. ولم يَسعَ حكمٌ الى تَلميعِه بالإصلاحِ المُرتَجى، إلّا بالخُطَبِ، فازدادَ بشاعةً وتَخَلُّفًا.

في هذا النَّفَقِ القاتِم، يتعذَّرُ أن تُطِلَّ علينا طاقةٌ ينسحبُ منها نورٌ مُدهِش. إنّنا لا نُصَدِّق أنّ في الشَّوكِ وَردًا، وفي الظّلامِ شمسًا، وفي مبادئِ الفسادِ صَلاحًا. نعم، هناكَ مَنْ لا يرفضُ التَقَنُّعَ بالظّلم، فحقُّ المواطنِ، معه، ليس إلّا ثوبًا مُستَعارًا. هذا المُتَوَرِّمُ فسادًا هو كالنّفايات الكريهة التي تَطفو على الدّوام، وتلوِّثُ سُمومُها المجتمع وجودةَ حياته.

أيّها الموبوءُ، الثِّقةُ بكَ معدومة، لأنّكَ سلكتَ سبيلًا سيِّئًا لم يتَوَعَّرْ سُلوكُه عليكَ كما على مَنْ كانوا قَبلَك، وعلى كثيرينَ مِمَّن عاصَروك. لقد مارستَ الانحناءَ والخنوعَ بِوجهِ الفسادِ والإهمال، فصارَ وجهُكَ أَسْوَدَ الصّفحة. وهكذا، لم يتصَبَّحْ أهلُ بلادِك بالسّلامةِ مع كلِّ شمس. لقد آمنتَ بأنّ في السّرقةِ والنّهبِ مجالًا لتَسعدَ معهما بالاطمئنانِ الى تكديسِ ثروةٍ بالزُّور، فخَدَمتهُما باندفاع، وخنْتَ القِيَم.

يا مُناصِرَ الهوانِ، الحقُّ لا يُصانُ إلّا بسلوكيّاتٍ كأنّها النّوايا لِنَبذِ الباطِل. كما أنّ القيمةَ هي لِنُصرةِ الحقوقِ، لا لِمعاداةِ أصحابِها، وأنّ المركزَ مسؤوليّةٌ خطيرةٌ، وليس امتِطاءً لكرسيٍّ بهدفِ الاستفادة. من هنا، لم تكن، يومًا، المُرتَجى في الإصلاح، أو رأسَ رمحٍ في إجهاضِ أدبيّاتِ الإهمال، وآثارِها البَشِعَة في مجتمعٍ ساهَمْتَ بأن يكونَ في انحطاط. كنتَ جليديَّ الحركة عندما عايَنتَ تداعياتِ الإهمالِ، والارتِشاءِ، والتّسويفِ، وهي الجَيبُ المَرقوعُ في المؤسّساتِ العامّة، والمُدافِعون عنها كُثُرٌ، وأنتَ منهم. ولمّا لمَستَ أنّ مُواطنَكَ كان الرّقمَ المظلوم، وأنّ التخلّيَ عنه كان أَقتَلَ العُيوبِ، كنتَ نَجْمَ الاندفاعِ الى خذلانِه، والخذلان غيرُ قابِلٍ للاختزال.

أيّها المُخادِع، وأنتَ المُنحازُ الى الدّهاءِ والتّضليل، لم تَقُمْ، مرّةً، بمبادراتٍ خلّاقةٍ وتَصادُميّةٍ تحتاجُ الى جرأةٍ لم تَتَّصِفْ بها، أبدًا، فتَراكَمَ الاحتيالُ في “إنجازاتِك”. وليس على النّاس إلّا إهانة هذه الإنجازاتِ، وتحقير صاحبِها، وذَمّ عيوبِه، فما كنتَ إلّا الحوت الذي يبتلعُ طعامَ السَّمَك، والرِّئةَ التي تتنفّسُ حِقدًا، وكُرهًا، والجثّةَ المتجوِّلة التي تُضمِرُ العداوةَ لحقوق النّاس، وتعبثُ بكرامتَهم.

ثِقْ، يا وجهَ الأذى، بأنّ ما نتوجّهُ به إليك، ليس هجاءً عابِرًا، إنّه مَقاطِعُ من قناعاتِنا التي أرسَيتَها في ذَواتِنا، بفسادِك، واندفاعِكَ للموبقات، وأعمالِكَ الذّليلة حيثُ تكون… ليسَت هيئتُكَ سوى هيئةٍ فانتزايّةٍ لا هويّةَ لها إلّا التَّشاوُف، وصيانة النّهب، والاستيلاء على حقوق الغَير باطِلًا، وهذا، دليلُ عَيبٍ صريح، وتَعاقُدٌ مع استباحةِ الأخلاق، وطَعنٌ بالمسؤوليّة الوطنيّة، والانسانيّة، لتُقدِّمَ أنموذجًا غيرَ قابِلٍ للتَّواؤُمِ مع القِيَمِ، والمبادئِ، والأعراف السّائدة…

أيّها المُتَخَصِّل بالكذب، لقد حُزتَ نَقيصَتَين: العَيب الذي يحطُّ من قدرِك كإنسان، والدّناءة التي تَشينُ كرامتَك. وما ذلك سوى نتيجةٍ لإيثار منفعتِك الخاصّة، وانحطاطِ أمانتِك ومروءتِك، وإضمار خداعِك لتمريرِ فسادِك خِفيةً، وانحرافِك عن المسارِ القَويم في السّلوك، وكلُّ ذلك عطَّل فيكَ أداءَ النّفع الصالح.

ولمّا كانتِ البِدعةُ، عندنا، هي الخراب الخُلُقي، فسادًا وإفسادًا، استَحدَثتَ مُعجَمًا جديدًا لهما، لتكونَ المَعبَرَ الإلزاميَّ الذي ينبغي أن يَزورَه الفاسدون والمُفسِدون، ليَصِلوا الى مستوى نِفاقِك المُتغاضي عن الشَّرَف.

أيّها الغادِرُ الذي تَفَكَّكَت فيه عزّة النّفس، أنتَ استَوفَيتَ عُقودَ الفساد، فدخَلَتْ إنجازاتُكَ في قاموسِ العَيب، لانفِرادِها في بابِها. من هنا، لكَ، مِنّا، التَّقبيح والتّجريح، وعسى ألّا يُستَولَدَ نَسلُكَ في المسؤوليّة، لِتَبقى، هي مسؤوليةً، وأنتَ مَرذولًا مُحاطًا باللّعنة…

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك