
كاتب وناشط سياسي
٤ آب، من جريمة العصر إلى انتظار العدالة وكشف الحقائق
بقلم بسام سنو – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠
يأتي الرابع من آب هذا العام مختلفًا عن كل الذكريات التي سبقته. فمنذ انفجار مرفأ بيروت، عاش اللبنانيون سنواتٍ من الانتظار، فيما بقيت الحقيقة غائبة بفعل التعثر المستمر في التحقيقات، وسط اتهاماتٍ بتدخلاتٍ سياسية وقضائية حالت دون الوصول إلى المسؤولين عن واحدةٍ من أكبر الكوارث في تاريخ لبنان.
سنوات التعطيل
خلال تلك السنوات، رأى كثيرون أن نفوذ النظام السوري السابق، والحزب الإيراني، وحلفائهما، شكّل عاملًا أساسيًا في عرقلة مسار التحقيق، سواء عبر الضغوط السياسية أو تعطيل الإجراءات القضائية، الأمر الذي أدى إلى تأخير كشف الحقيقة وإبقاء الملف رهينة التجاذبات.
تبدّل المعادلة
اليوم، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، وتراجع نفوذ النظام الإيراني، وتراجع نفوذ الحزب وحلفائه، تبدلت المعادلة التي حكمت هذا الملف لسنوات. ومع تراجع تأثير القوى التي كانت تُتَّهَم بعرقلة التحقيق، عاد الأمل بإمكانية استكمال المسار القضائي، ولا سيما بعد استئناف القاضي طارق البيطار تحقيقاته في القضية.
الحقيقة الكاملة لم تظهر بعد، لكن الظروف التي كانت تعيق الوصول إليها لم تعد كما كانت. فالكثير من أركان المنظومة التي أحاطت بالملف فقدوا نفوذهم، ولم يعد باستطاعتهم، كما في السابق، التأثير في مسار العدالة أو تعطيلها.
التحقيق أمام فرصة جديدة
قد يحتاج التحقيق إلى أشهر، وربما إلى أكثر من ذلك، لكن الأهم أن مساره عاد إلى الحياة. وما ينتظره اللبنانيون اليوم هو أن يكشف القضاء، استنادًا إلى الأدلة، من خزّن المواد شديدة الخطورة في المرفأ، ومن خطط لاستخدامها في سوريا، ومن علم بوجودها في مستودعات المرفأ ولم يتحرك لمنع الكارثة، ومن أهمل واجباته حتى وقع الانفجار الذي دمّر العاصمة، وأوقع مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وشرّد عشرات الآلاف من منازلهم، وخلّف دمارًا هائلًا ما زالت آثاره العمرانية والاقتصادية والنفسية حاضرةً حتى اليوم.
العدالة حق وليست انتقامًا
لم يكن انفجار الرابع من آب مجرد حادثة عابرة في تاريخ لبنان، بل كان جرحًا أصاب قلب بيروت وأهلها. ففي لحظاتٍ قليلة، فقدت عائلاتٌ أبناءها وأحباءها، وتحولت منازل وأحياءٌ بأكملها إلى ركام، وتبددت أحلام آلاف اللبنانيين تحت وطأة الانفجار. وحتى اليوم، لا تزال صور الضحايا، ووجوه المصابين، ودموع الأمهات والآباء شاهدةً على حجم المأساة التي لم تجف.
ولهذا، فإن العدالة ليست مطلبًا قانونيًا فحسب، بل هي حقٌّ أخلاقي وإنساني لعائلات الضحايا، ولكل أبناء بيروت الذين دفعوا ثمن هذه الكارثة. وما يصفه كثيرون بـ”الانتقام” لا ينبغي أن يكون انتقامًا خارج إطار القانون، بل انتصارًا للحقيقة والعدالة، عبر محاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان موقعه أو نفوذه. فحين تصدر الأحكام العادلة، يشعر أهالي الضحايا بأن دماء أحبائهم لم تُهدر، وأن سنوات الانتظار لم تذهب سدى.
الأمل الأخير
قد تتأخر الحقيقة، لكنها لا تسقط بالتقادم. وقد تتعثر العدالة، لكنها تبقى الطريق الوحيد لإنصاف الضحايا وحفظ ذاكرة بيروت.
ويبقى الأمل أن يحمل الرابع من آب المقبل بداية الفصل الأخير من هذه القضية، فصلًا تُكشف فيه الوقائع كاملة، ويُحاسَب فيه كل من تثبت مسؤوليته، لتستعيد بيروت شيئًا من حقها، ويشعر أهالي الضحايا بأن العدالة التي انتظروها طويلًا قد بدأت تأخذ مجراها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير