خاص بوابة بيروت
تظهر بين حين وآخر أصوات وحسابات سياسية تهاجم المملكة العربية السعودية، وتروّج روايات تزعم أن ملوكها «باعوا فلسطين» أو أن الرياض تخلت عن الشعب الفلسطيني.
ويستند بعضها إلى صور مبتورة ووثائق مجهولة الأصل وعبارات منسوبة إلى شخصيات تاريخية من دون سند أرشيفي قابل للتحقق.
ليس مطلوبًا من أحد أن يوافق على كل سياسة سعودية، فالنقد السياسي حق مشروع، لكن النقد شيء وتزوير التاريخ ومحو الوقائع شيء آخر تمامًا.
والأخطر أن هذه الحملات لا تستهدف المملكة وحدها، بل تسعى إلى زرع خصومة بين السعوديين والفلسطينيين وتحويل فئة من المحرّضين إلى ممثلين مزعومين لشعب كامل.
فهل باعت السعودية فلسطين فعلًا؟ تعالوا نترك الشعارات جانبًا ونفتح سجل الوقائع.
قبل قيام إسرائيل: فلسطين كانت حاضرة في القرار السعودي
لم يبدأ الموقف السعودي من فلسطين بعد نكبة عام 1948، بل سبق قيام إسرائيل بسنوات طويلة. ففي عام 1935 زار ولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز فلسطين بتوجيه من الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمهم الله، ووصل إلى القدس وصلى في المسجد الأقصى، ثم زار الخليل والمسجد الإبراهيمي.
وفي عام 1939 مثّل الأمير فيصل بن عبدالعزيز ، رحمه الله، المملكة في مؤتمر لندن الخاص بالقضية الفلسطينية، وقدم موقفًا واضحًا دفاعًا عن حقوق العرب في فلسطين.
وعندما التقى الملك عبدالعزيز الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد «كوينسي» عام 1945، وضع فلسطين في قلب المحادثات، ورفض أن يدفع العرب الفلسطينيون ثمن الجرائم التي تعرض لها اليهود في أوروبا.
ثم واصل ولي العهد الأمير سعود طرح القضية مع الرئيس الأمريكي هاري ترومان عام 1947.
هذه الوقائع حدثت قبل قيام إسرائيل، وقبل أن تصبح فلسطين مادة للمزايدات الإعلامية والحسابات الحزبية.
عام 1948: السعودية لم ترسل بيانًا فقط بل أرسلت رجالًا
عندما اندلعت حرب فلسطين عام 1948، لم تكتفِ المملكة بالإدانة السياسية أو بيانات التضامن، بل شارك أفراد من الجيش السعودي إلى جانب القوات العربية في الدفاع عن فلسطين، وهو حضور موثق في السجلات السعودية ووثائق الأمم المتحدة.
وبعد الحرب، استمر الدعم السياسي والإنساني، وقُدم العون للأسر الفلسطينية المتضررة، كما أتيحت فرص العمل والإقامة لفلسطينيين داخل المملكة.
من يبيع قضية لا يرسل أبناءه للقتال من أجلها، ولا يحملها إلى اجتماعاته مع أقوى دول العالم منذ سنوات ما قبل النكبة.
الملك فيصل والقدس: عندما أصبحت فلسطين قضية إسلامية جامعة
بعد احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، جعل الملك فيصل بن عبدالعزيز ،، رحمه الله، قضية القدس محورًا رئيسيًا في تحركاته العربية والإسلامية.
وعقب إحراق المسجد الأقصى عام 1969، دعم عقد القمة الإسلامية الأولى في الرباط، التي أصبحت محطة أساسية في تأسيس إطار العمل الإسلامي المشترك الذي تطور لاحقًا إلى منظمة التعاون الإسلامي.
وفي حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، استخدمت المملكة ثقلها السياسي والنفطي ضمن التحرك العربي للضغط على القوى الداعمة لإسرائيل.
لم يكن النفط آنذاك مجرد سلعة اقتصادية، بل تحول إلى أداة سياسية في مواجهة الاحتلال وداعميه.
من رغيف الخبز إلى حماية المؤسسات الفلسطينية
لم يكن الدعم السعودي خطابات وقممًا فقط.
خلال انتفاضة الأقصى، شُكّلت عام 2000 اللجنة السعودية لدعم انتفاضة القدس، ودخلت حملات التبرع إلى المدارس والجامعات وأماكن العمل والغرف التجارية.
شارك الطلاب من مصروفهم، وتبرع موظفون برواتب أيام عمل، وقدم أعضاء في مجلس الشورى نصف رواتبهم عن شهر كامل.
وتحولت هذه المساهمات إلى برامج داخل فلسطين، شملت توزيع 90 مليون رغيف خبز لتلبية احتياجات نحو 200 ألف أسرة لمدة عشرين يومًا، وتعويض متضررين من تجريف المزارع وهدم المنازل، وكفالة أسر فلسطينية وعلاج جرحى في المستشفيات السعودية.
وبالتوازي، طرحت المملكة في القمة العربية الطارئة عام 2000 إنشاء صندوق الأقصى وصندوق انتفاضة القدس بقيمة قاربت مليار دولار، وتعهدت بتحمل ربع المبلغ.
ولم يقتصر الدعم على الإغاثة؛ فقد قدمت السعودية 40 مليون دولار لموازنة السلطة الفلسطينية عام 2001، ثم 132 مليون دولار عام 2002 و77 مليونًا عام 2003، واستمرت مساهماتها لاحقًا حتى بلغ دعمها المباشر للموازنة 222 مليون دولار عام 2018، لتكون أكبر مانح عربي للموازنة الفلسطينية في ذلك العام.
هذه الأموال لم تكن أرقامًا صامتة، بل أسهمت في استمرار المدارس والمستشفيات والوزارات ودفع الرواتب وحماية المؤسسات التي يفترض أن تشكل البنية الإدارية للدولة الفلسطينية المستقلة.
مبادرة سلام ومصالحة فلسطينية لا صفقة لبيع فلسطين
في عام 2002، قدمت المملكة المشروع الذي تحول في قمة بيروت إلى «مبادرة السلام العربية». وطالبت المبادرة بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194.
وفي عام 2007، استضافت مكة المكرمة قيادتي حركتي فتح وحماس في محاولة لوقف الاقتتال الفلسطيني، وانتهت اللقاءات بتوقيع «اتفاق مكة» الذي نص على حقن الدم الفلسطيني وتشكيل حكومة وحدة وطنية وتعزيز الشراكة السياسية.
قد ينجح المسعى السياسي أو يفشل، لكن لا يمكن تحويل محاولة إنهاء الاحتلال وجمع الفلسطينيين ومنع اقتتالهم إلى دليل على “بيع فلسطين”.
غزة: مليارات للإعمار ومنازل ومدارس ومستشفيات
بعد حرب غزة أواخر عام 2008 ومطلع 2009، أعلن الملك عبدالله بن عبدالعزيز ، ، رحمه الله، تقديم مليار دولار مساهمة سعودية في إعادة إعمار القطاع.
وموّلت المملكة عبر وكالة «الأونروا» مشروعًا سكنيًا بنحو 114 مليون دولار، أُنشئت من خلاله أكثر من 1500 وحدة سكنية وفرت منازل لنحو عشرة آلاف لاجئ فلسطيني.
وبعد حرب عام 2014، أعلنت السعودية تخصيص 500 مليون دولار للمساهمة في إعادة إعمار غزة.
وفي عام 2016 قدمت المملكة 59 مليون دولار لمشروعات في غزة والضفة الغربية والأردن، ثم أتبعتها بحزمة أخرى قيمتها 67 مليون دولار.
وكانت مساهماتها المتراكمة للأونروا قد تجاوزت نصف مليار دولار، وذهبت إلى بناء المساكن وترميم المدارس ودعم المنشآت الصحية والبنية التحتية وخدمات اللاجئين.
وفي «قمة القدس» التي استضافتها المملكة عام 2018، أعلن الملك سلمان بن عبدالعزيز ، حفظه الله، تقديم 150 مليون دولار لدعم الأوقاف الإسلامية في القدس و50 مليون دولار للأونروا، قبل تقديم عشرات الملايين الإضافية لمشروعات الوكالة.
بعد 7 أكتوبر: الدولة السعودية تتحرك والشعب يشارك
بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلقت المملكة حملة شعبية لإغاثة الفلسطينيين عبر مركز الملك سلمان للإغاثة ومنصة «ساهم».
افتتح الملك سلمان الحملة بتبرع قدره 30 مليون ريال، وتبرع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بـ20 مليون ريال، ثم شارك فيها أكثر من مليوني متبرع.
وتحولت التبرعات إلى مواد غذائية وطبية وإيوائية وسيارات إسعاف ومستلزمات صحية، نُقلت عبر جسرين جوي وبحري. ولم يتوقف العمل بانتهاء التغطية الإعلامية الأولى؛ ففي 2 سبتمبر/أيلول 2026 أعلن مركز الملك سلمان للإغاثة توزيع 25 ألف وجبة ساخنة على الفئات الأكثر احتياجًا في وسط غزة وجنوبها، كما أعلن في اليوم نفسه ضخ 500 ألف لتر من مياه الشرب الآمنة في محافظات القطاع المختلفة.
من وقف الحرب إلى تحويل الاعتراف بالدولة إلى مسار دولي
سياسيًا، استضافت الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 القمة العربية الإسلامية المشتركة التي طالبت بوقف الحرب، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، ورفض تهجير الفلسطينيين.
وفي سبتمبر/أيلول 2024 أعلن ولي العهد بوضوح أن المملكة لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
ولم تكتفِ الرياض بتكرار الموقف، بل قادت التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، ثم شاركت فرنسا في رئاسة المؤتمر الدولي رفيع المستوى تحت مظلة الأمم المتحدة عام 2025.
وقاد هذا المسار إلى «إعلان نيويورك»، الذي أيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 دولة، بهدف نقل حل الدولتين من شعار دبلوماسي إلى خطوات قابلة للتنفيذ.
لا تحمّلوا شعبًا وزر المحرّضين
لا يجوز أن يُحمّل السعوديون الشعب الفلسطيني مسؤولية منشور مسيء كتبه شخص موتور أو حساب مرتبط بأجندة سياسية، كما لا يجوز لفلسطيني أن يسمح لهذه الحسابات بمحو عقود من المواقف والمساعدات السعودية.
الفلسطينيون ليسوا أولئك الذين يشتمون المملكة، والسعوديون ليسوا خزينة مفتوحة يُطلب منها الدعم ثم تُقابل بالإساءة والجحود.
العلاقة بين الشعبين أعمق من أن يختطفها متطرف أو حزب أو منصة دعائية.
نقد السياسات حق، أما تزوير الوثائق ومحو مشاركة الجنود ودعم القدس وتمويل موازنات السلطة وإعمار غزة وإغاثة أهلها ثم اختصار قرن كامل بعبارة «السعودية باعت فلسطين»، فليس نقدًا ولا دفاعًا عن القضية؛ إنه تضليل متعمد يخدم فقط من يريد تحويل الفلسطيني والسعودي إلى خصمين.
السجل أمامنا واضح لا لبس فيه: زيارة للقدس قبل النكبة، ودفاع دبلوماسي عن فلسطين قبل قيام إسرائيل، ومشاركة عسكرية سعودية في حرب عام 1948، وضغط سياسي ونفطي دفاعًا عن الحقوق العربية، ثم مبادرة متكاملة للسلام، ومساعٍ للمصالحة وحقن الدم الفلسطيني، وتمويل لمؤسسات السلطة والأونروا، ومليارات الدولارات لإعمار غزة، ومنازل ومدارس ومستشفيات ومساعدات لم تتوقف حتى اليوم، إلى جانب تحرك سياسي ودبلوماسي دولي هدفه إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وبعد هذا السجل الطويل، فإن من يكرر أن السعودية «باعت فلسطين» لا يبحث عن الحقيقة، بل يهرب منها، ولا يمارس نقدًا سياسيًا مشروعًا، بل يحاول اغتيال ذاكرة موثقة وصناعة فتنة بين شعبين شقيقين. فمن الظلم والجحود أن تُمحى عقود من المواقف والتضحيات والمساعدات بجملة تحريضية رخيصة، أو أن يُختزل تاريخ دولة وشعب في وثيقة مجهولة أو منشور كتبه موتور تحركه الكراهية أو توجهه أجندة سياسية.
ومن واجبي، بصفتي متابعًا ومراقبًا لهذا المسار، أن أكتب كلمة حق لا مجاملة فيها ولا منفعة وراءها: كل الشكر والتقدير للمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا؛ لملوكها الذين حملوا قضية فلسطين منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ولأمرائها الذين نقلوا هذا الالتزام إلى ميادين السياسة والدبلوماسية والإغاثة، وفي مقدمتهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وللشعب السعودي العظيم الذي لم يسمح لأصوات الموتورين والجماعات المسيئة بأن تنتزع منه إنسانيته أو تمنعه من الوقوف إلى جانب الفلسطينيين.
لقد أثبت الشعب السعودي، مرة بعد مرة، أن الإساءة لا تغيّر أخلاقه، وأن الجحود لا يوقف عطاءه، وأن حملات التحريض لا تدفعه إلى التخلي عن واجبه الإنساني والأخوي.
ولهذا لم يكن لقب «مملكة الإنسانية» شعارًا دعائيًا، بل استحقاقًا صنعته المواقف وكرّسته الأفعال وأثبتته المساعدات التي وصلت إلى المحتاجين في فلسطين وغيرها.
شكرًا للمملكة، لملوكها وأمرائها وشعبها الأصيل؛ وشهادة الحق هذه أقل ما يُقال في مواجهة تاريخ يحاول بعضهم تزويره وفضلٍ لا يستطيع المنصف إنكاره.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير