مرفأ بيروت، بوابة العدالة أو باب الجحيم

بقلم د. كارلوس نفاع – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠

في الرابع من آب 2020، لم ينفجر مرفأ بيروت فحسب، بل انفجر معه جزءٌ من وجدان لبنان. ففي لحظاتٍ معدودة، تحولت العاصمة إلى مدينةٍ منكوبة، وسقط مئات الضحايا وآلاف الجرحى، وتهدمت أحياءٌ بأكملها تحت وقع أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ. لكن الركام الذي ملأ الشوارع لم يكن أخطر ما خلَّفته الكارثة؛ فالركام الحقيقي كان ذلك الذي أصاب ثقة اللبنانيين بدولتهم ومؤسساتها.

منذ ذلك اليوم، لم تعد القضية قضية تفجير مدينة، بل قضية عدالة لوطن. فالأوطان لا تُقاس بقدرتها على إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، بل بقدرتها على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. وما قيمة مدينةٍ تُبنى من جديد إذا بقيت العدالة تحت ركام منظومة الموت؟ وما جدوى الحديث عن الإصلاح إذا كان ميزان العدالة يعجز عن الوصول إلى الحقيقة في أكبر جريمة عرفها لبنان الحديث؟

ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح مقتصرًا على كيفية إعادة إعمار ما تهدَّم، بل أصبح السؤال الأعمق: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها إذا بقيت الحقيقة غائبة والعدالة معلقة؟

إن العدالة ليست مطلبًا عاطفيًا ترفعه عائلات الضحايا، ولا شعارًا سياسيًا يُستخدم عند الحاجة، بل هي حجر الأساس الذي يجب أن تقوم عليه الدولة. فحين تغيب العدالة، يصبح الإفلات من العقاب قاعدة، وتتحول المسؤولية إلى وجهة نظر، وتصبح حياة المواطنين أقل قيمة من الحسابات السياسية والمصالح الضيقة.

لقد اعتاد اللبنانيون سماع وعود الإصلاح، وخطط الإنقاذ، ومشاريع إعادة الإعمار. لكن أي إصلاح يمكن أن ينجح إذا بقيت الجرائم الكبرى بلا محاسبة؟ وكيف يمكن للمواطن أن يثق بدولةٍ تعجز عن الوصول إلى الحقيقة في قضيةٍ هزت العالم؟

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالموازنات، ولا بالمؤتمرات الدولية، بل يبدأ من قاعة المحكمة، حيث لا سلطة تعلو على سلطة القانون.

فلا يمكن الحديث عن بناء دولة حديثة فيما يبقى القضاء عاجزًا عن الفصل في أكبر قضية شهدها لبنان المعاصر، لأن العدالة ليست نتيجةً للإصلاح، بل هي شرطٌ سابقٌ لقيامه.

إن الدول التي تحترم نفسها لا تخشى الحقيقة، لأن الحقيقة هي الطريق الوحيد إلى المصالحة الوطنية. أما إخفاؤها، أو تأخيرها، أو تعطيلها، فلا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار التالي. فالعدالة المؤجلة ليست عدالة، بل ظلمٌ يمتد في الزمن، ويُراكم شعورًا عامًا بأن الدولة تحمي الأقوياء أكثر مما تحمي مواطنيها.

إن ضحايا الرابع من آب لا يحتاجون إلى خطابات رثاء جديدة، بل إلى دولةٍ تثبت أن دماءهم لم تذهب هدرًا. ويحتاجون إلى مؤسساتٍ تؤمن بأن المحاسبة ليست استهدافًا لأحد، بل حماية للجميع. فالدولة التي تعاقب المسؤول عن الخطأ الكبير تمنع تكراره، أما الدولة التي تتسامح مع الإفلات من العقاب، فإنها تفتح الباب أمام كوارث جديدة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم ليس الكارثة نفسها، بل الاعتياد عليها. وأن يصبح انتظار الحقيقة أمرًا طبيعيًا، وأن يتحول غياب المحاسبة إلى واقعٍ مقبول، هو الهزيمة الحقيقية.

ولهذا، فإن معركة اللبنانيين اليوم لا تتعلق بالماضي وحده، بل بالمستقبل أيضًا؛ لأن ترسيخ مبدأ المساءلة هو الضمانة الوحيدة لئلا تتكرر المأساة بأشكالٍ مختلفة.

لذلك، فإن معركة اللبنانيين اليوم ليست فقط من أجل معرفة ما حدث في مرفأ بيروت، بل من أجل تثبيت مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وأن كرامة الإنسان هي أساس الدولة.

سيبقى الرابع من آب تاريخًا محفورًا في ذاكرة لبنان. لكن السؤال الذي سيطرحه التاريخ على الأجيال المقبلة لن يكون فقط: ماذا حدث في ذلك اليوم؟ بل سيكون أيضًا: ماذا فعل اللبنانيون بعده؟ هل جعلوا من المأساة نقطة انطلاق لبناء دولة العدالة، أم سمحوا لها بأن تصبح مجرد ذكرى أخرى في سجل الأزمات اللبنانية؟

الجواب عن هذا السؤال سيحدد شكل لبنان الذي نريده. لأن الحقيقة لا تبني الأوطان وحدها، لكنها تمنع سقوطها.

أما العدالة، فهي ليست بندًا في برنامجٍ إصلاحي، بل هي الإصلاح نفسه. ومن دونها، يبقى كل بناءٍ هشًا، وكل إنجازٍ مؤقتًا، وكل حديثٍ عن دولة القانون مجرد كلماتٍ جميلة فوق ركامٍ لم تُرفع عنه الحقيقة بعد.

اخترنا لك