تفجير مرفأ بيروت : عندما يتحوّل #الفساد إلى سلاحٍ يقتل شعبًا

بقلم د. فؤاد سلامة – #بوابة_بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠

في الرابع من آب 2020، عند الساعة السادسة وثماني دقائق مساءً، تغيَّر وجه بيروت إلى الأبد. ففي لحظاتٍ معدودة، انفجر أكثر من ألفي طن من نيترات الأمونيوم، كانت مخزَّنة منذ سنوات داخل العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، لتقع واحدة من أكبر الكوارث غير النووية في التاريخ الحديث.

لم يكن ذلك مجرد انفجارٍ دمَّر جزءًا من العاصمة اللبنانية، بل كان انهيارًا مدويًا لفكرة الدولة نفسها، ودليلًا صارخًا على ما يمكن أن يصنعه الفساد والإهمال حين يتحولان إلى نظامٍ للحكم، لا مجرد انحرافٍ عابر في الإدارة.

وبعد سنواتٍ على الكارثة، ما زال اللبنانيون يحيون ذكراها وهم يحملون السؤال نفسه: كيف استطاعت دولةٌ كاملة أن تعرف بالخطر سنواتٍ طويلة، ثم تتركه ينفجر في قلب عاصمتها؟

وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى مسار الأحداث التي سبقت الانفجار، والتي تكشف أن الكارثة لم تكن وليدة لحظتها، بل نتيجة سلسلة طويلة من الإهمال والتقاعس عن اتخاذ القرار.

وصلت شحنة نيترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت عام 2013 على متن السفينة «روسوس» (Rhosus)، وكانت متجهة من جورجيا إلى موزامبيق. وبعد احتجاز السفينة، نُقلت الحمولة إلى العنبر رقم 12، حيث بقيت مخزنةً سبع سنوات وسط ظروفٍ تفتقر إلى أبسط معايير السلامة.

وخلال تلك السنوات، وُجهت عشرات المراسلات الرسمية إلى الأجهزة القضائية والإدارية والأمنية، تحذِّر من خطورة هذه المواد، وتطالب بإعادة تصديرها أو التخلص منها وفق الأصول. وتُظهر الوثائق التي كُشفت لاحقًا أن عددًا كبيرًا من المسؤولين كانوا على علمٍ بوجود هذه الشحنة وخطورتها.

ورغم ذلك، لم يُتخذ القرار الذي كان يمكن أن يمنع الكارثة.

وبقيت المادة المتفجرة إلى جانب مواد قابلة للاشتعال داخل أحد أهم المرافئ التجارية في شرق المتوسط، حتى اندلع الحريق عصر الرابع من آب، فوقعت الكارثة التي تركت بصمةً سوداء في تاريخ لبنان.

أسفر الانفجار عن مقتل أكثر من 220 شخصًا، بينهم رجال إطفاء، ومسعفون، وعمال، وموظفون، ومواطنون كانوا يمارسون حياتهم اليومية.

وأصيب أكثر من 6500 شخص بجروحٍ متفاوتة الخطورة، وفقد كثيرون أبصارهم أو أطرافهم، أو أصيبوا بإعاقاتٍ دائمة نتيجة تطاير الزجاج وشدة الانفجار.

كما اضطر أكثر من مائتي ألف شخص إلى مغادرة منازلهم بعدما دُمِّرت أو أصبحت غير صالحة للسكن، فيما تحولت أحياءٌ تاريخية، مثل الجميزة، ومار مخايل، والكرنتينا، والأشرفية، إلى مناطق منكوبة خلال ثوانٍ.

ولم تقتصر الخسائر على البشر، فقد لحقت أضرارٌ جسيمة بمدارس، ومستشفيات، وجامعات، ومتاحف، وكنائس، ومساجد، ومؤسسات ثقافية، وضاع جزءٌ من الذاكرة العمرانية لبيروت، التي نجت من الحروب، لكنها لم تنجُ من الفساد.

وقع الانفجار فيما كان لبنان يعيش أسوأ أزمةٍ مالية في تاريخه الحديث. وتسبب تدمير المرفأ، الذي كان يشكل المنفذ الرئيسي لمعظم الواردات اللبنانية، في تعميق الانهيار الاقتصادي، وارتفعت كلفة الاستيراد، وتعطلت حركة التجارة، كما تضررت صوامع القمح، التي كانت تمثل ركنًا أساسيًا من الأمن الغذائي. وفي الوقت نفسه، خرجت عدة مستشفياتٍ رئيسية من الخدمة في ذروة جائحة كورونا، بينما كانت تستقبل آلاف الجرحى خلال ساعاتٍ قليلة، في مشهدٍ جسَّد انهيار البنية الصحية والمؤسساتية معًا.

غير أن آثار الكارثة لم تقتصر على خسائرها البشرية والاقتصادية، بل امتدت إلى مسار العدالة نفسه، حيث بدأت معركةٌ جديدة لا تقل قسوة عن الانفجار.

فقد اصطدمت التحقيقات القضائية بعشرات الدعاوى والإجراءات القانونية التي أدت مرارًا إلى تعليق التحقيق. وتعاقب على الملف المحقق العدلي القاضي فادي صوان، ثم القاضي طارق البيطار، الذي واجه بدوره سلسلةً من طلبات الرد والدعاوى القضائية والضغوط السياسية، إضافةً إلى رفض بعض الجهات المثول أمام القضاء أو رفع الحصانات عن مسؤولين مُدَّعى عليهم.

وبعد مرور سنوات، لم يصدر حكمٌ نهائي يحدد المسؤوليات الجنائية عن واحدةٍ من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان، الأمر الذي عزز شعور عائلات الضحايا بأن العدالة ما تزال رهينة التجاذبات السياسية.

قد يُنظر إلى انفجار المرفأ بوصفه حادثًا ناتجًا عن الإهمال الإداري، غير أن كثيرًا من اللبنانيين يرونه نتيجةً مباشرة لنظامٍ سياسي قائم على تقاسم النفوذ، وضعف المساءلة، وتداخل المصالح بين السياسة والإدارة والاقتصاد.

ففي مثل هذا النظام، لا يكمن الخطر في وجود مسؤولٍ مهمل، بل في غياب منظومةٍ كاملة للمحاسبة. وعندما تتراكم التحذيرات سنواتٍ من دون قرار، يصبح الإهمال نفسه شكلًا من أشكال المسؤولية الجماعية.

لقد أظهر انفجار المرفأ كيف يمكن للفساد أن يتحول من جريمةٍ مالية إلى تهديدٍ مباشر للحياة البشرية، وأن يصبح القتل نتيجةً طبيعية لغياب الدولة.

ومن هنا، تجاوز انفجار المرفأ كونه مأساةً لبنانية عابرة، ليصبح نموذجًا صارخًا لما تؤول إليه الدول عندما تغيب المحاسبة وتُستبدل دولة المؤسسات بمنطق الإفلات من العقاب.

لم يعد الرابع من آب مجرد تاريخٍ في الذاكرة اللبنانية، بل أصبح رمزًا لانهيار الثقة بين المواطن والدولة. فالبيوت يمكن إعادة بنائها، والمرافئ يمكن ترميمها، أما الثقة التي تهدمت مع ذلك الانفجار فلا يمكن استعادتها إلا بقيام دولةٍ تُخضع الجميع للمساءلة، مهما علت مناصبهم أو نفوذهم.

ويبقى السؤال الذي يلاحق اللبنانيين مع كل ذكرى: هل كان انفجار مرفأ بيروت قدرًا لا يمكن تجنبه، أم أنه كان النتيجة الحتمية لنظامٍ جعل الفساد بديلًا من الدولة، والإفلات من العقاب قاعدةً للحكم؟

ذكرى الرابع من آب ليست مناسبةً لاستحضار الألم فحسب، بل هي أيضًا دعوةٌ متجددة إلى كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الضحايا، وترسيخ مبدأ أن حياة المواطنين لا يجوز أن تكون عرضةً للإهمال.

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا هو أن الكوارث الكبرى لا تبدأ بالانفجار، بل تبدأ يوم تتعطل المحاسبة، ويُستبدل حكم القانون بحكم النفوذ، ويصبح الإهمال سياسةً لا خطأً فرديًا.

نختم بالقول إن الدول التي تعجز عن محاسبة المسؤولين عن أكبر مآسيها تظل مهددةً بتكرار المآسي واستجلاب الكوارث، وما حصل، وما يزال يحصل، في جنوب لبنان خلال السنوات الأخيرة يؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، صحة هذه المقولة.

اخترنا لك