الخوف الذي لا يغادر لبنان… والإيمان الذي يبقينا فيه

الخوف لا يبدأ عندما تقع الكارثة… بل عندما تفقد الثقة بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.

وهذا بالضبط ما يعيشه اللبناني منذ عقود. لا يخشى المستقبل لأنه مجهول، بل لأنه يعرف جيدًا كيف يمكن لهذا الوطن أن ينقلب في لحظة من حياةٍ عادية إلى مأساة جديدة، وهذا ليس تشاؤمًا إنما التجربة علّمتنا أنّ المفاجآت في لبنان نادرًا ما تحمل الخير. فمنذ عام 1975، وربما قبل ذلك، لم يعرف هذا الوطن استقرارًا طويلًا. كلما ظنّ اللبناني أنه بدأ يلتقط أنفاسه، جاء حدث جديد ليعيده إلى نقطة الصفر، وكأن هذا البلد محكوم بأن يعيش على حافة الهاوية، وأن يبقى شعبه في حالة انتظار دائم للكارثة التالية.

الحرب الأهلية لم تكن نهاية المأساة، بل كانت بدايتها. تلتها اجتياحات، ومجازر، واغتيالات، وقصف، وتهجير، وانهيارات اقتصادية، ثم انفجار الرابع من آب الذي لم يدمّر مرفأ بيروت فحسب، بل دمّر شيئًا ما في داخل كل لبناني. وبعده جاءت الحرب الأخيرة، فامتلأت الأرض بالشهداء والجرحى، وسقطت قرى بأكملها تحت الركام، وكأن قدر هذا الوطن أن يدفع، في كلّ مرحلة، فاتورة صراع لا يملك قرار إشعاله ولا قرار إطفائه.

لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في كثرة الكوارث، بل في أنّها تمرّ من دون حساب. فكل جريمة تُضاف إلى التي سبقتها، وكل ملف يُقفل قبل أن تُعرف الحقيقة، وكل دمعة تُترك لتجفّ وحدها. لم نعتد فقط على الألم، بل اعتدنا أيضًا على غياب العدالة، حتى أصبح السؤال عن المحاسبة يبدو وكأنّه مطلب مستحيل في بلد اعتاد أن يدفن الحقيقة مع ضحاياه.

ولهذا لم يعد اللبناني يخشى ما حدث بالأمس بقدر ما يخشى ما قد يحدث غدًا. أصبح يستيقظ كل صباح وهو يتساءل: ماذا ينتظرنا اليوم؟ حرب جديدة؟ انفجار آخر؟ اغتيال؟ انهيار؟ أم كارثة لم تخطر بعد على بال أحد؟ هذا القلق المزمن لم يعد حالة عابرة، بل أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، حتى بتنا نعيش الخوف قبل أن يقع الخطر.

منذ ست سنوات، تغيّر وجه بيروت في ثوانٍ. أكثر من مئتي إنسان رحلوا، آلاف الجرحى، مدينة كاملة أصيبت في قلبها، وأحلام كثيرة دُفنت تحت الركام. ظننا يومها أنّنا بلغنا أقصى حدود الوجع، لكن السنوات التي تلت أثبتت أنّ هذا الوطن ما زال قادرًا على استقبال المزيد من الخسارات، وكأنّ الألم عندنا لا يعرف سقفًا.

ومع ذلك، كلما اشتدّ الظلام، يخرج من يسأل اللبناني: لماذا لا ترحل؟ والحقيقة أن كثيرين يستطيعون الرحيل، وأنا واحدة منهم. أستطيع أن أبدأ حياة أكثر هدوءًا في مكان آخر، بعيدًا من هذا القلق اليومي، لكن الأوطان لا تُقاس براحتنا فيها فقط. الأوطان هي الذاكرة التي لا تُشترى، والجذور التي لا تُقتلع، والكرامة التي لا تُستبدل.

لهذا اخترت لبنان، لا لأنّه منحني حياة سهلة، بل لأنّه يستحقّ أن يبقى هناك من يتمسّك به حين يتخلّى عنه الجميع. اخترته رغم الخوف، ورغم الخيبات، ورغم كلّ المحاولات التي تريد أن تجعل اليأس خيارنا الوحيد مع أنه لدي خيار الرحيل من دون رجعة ولكن سأعود دائما طالما هناك نفس في صدري.

أؤمن أن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس بيتًا، ولا مالًا، ولا حتى مدينة… بل أن نخسر إيماننا بأن هذا الوطن يستحقّ فرصة أخرى. فإذا مات هذا الإيمان، لن يبقى ما يستحق القتال من أجله.

لذلك، لن أتوقف عن المطالبة بالحقيقة، لأنّ الشعوب التي تنسى تُعيد مآسيها، والأوطان التي لا تُحاسب قتلة أبنائها، تترك الباب مفتوحًا لمجازر جديدة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك