بانوراما الأسبوع : من نيويورك إلى الجنوب… لبنان في قلب إعادة تشكيل المنطقة
على ما يبدو، فإن الهدف القادم قد لا يكون مجرد حسم عسكري، بل محاولة تغيير واقع ميداني، قد يتجاوز مسرحه الجنوبي إلى مناطق لبنانية أخرى، من البقاع إلى بيروت، إذا اتسعت دائرة المواجهة. والأخطر في ما قد يكون بصدد التحضير هو احتمال حصول عمليات تهجير قسري وفرض واقع ديموغرافي جديد، وسط استعادة ما أُشير إليه بعد أحداث السابع من تشرين الأول حول احتمال ترانسفير بعض من البنية العسكرية الإيرانية ـ اللبنانية المقاتلة في لبنان باتجاه العراق...
خاص بوابة بيروت
غادر رئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة، السبت 19 أيلول، حيث سيطرح الملف اللبناني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتدخل المشاركة اللبنانية في أسبوع الجمعية العامة، الذي تبدأ مناقشاته العامة في 22 أيلول 2026، مرحلة دقيقة تتداخل فيها ملفات الجنوب، وتطبيق القرار 1701، ودعم الجيش اللبناني، وحصرية السلاح بيد الدولة، والعلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية.
ويرأس رئيس الحكومة الوفد اللبناني، فيما يُنتظر أن تشكّل لقاءاته الدولية، ولا سيّما مع المسؤولين الأميركيين والفرنسيين والعرب، فرصة لبحث تثبيت الاستقرار في الجنوب وتعزيز قدرات الجيش، بالتوازي مع متابعة المسار الدبلوماسي المتصل بالحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية.
وبذلك، لا تقتصر أهمية نيويورك على كلمة لبنان في الجمعية العامة، بل تتصل بمسار أوسع يمتد من بيروت إلى نيويورك وواشنطن، وقد يحدد اتجاه المرحلة المقبلة في ملف السيادة والأمن والعلاقات اللبنانية ـ الدولية.
روبيو واليونيفيل: عقدة الجنوب بعد انتهاء التفويض
وفي هذا السياق، يتوجّه رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك ثم واشنطن، حاملًا ثلاثة ملفات متشابكة: السلاح، والجنوب، ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد اليونيفيل؛ إذ يلتقي في واشنطن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب مسؤولي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في وقت تسعى فيه بيروت إلى تثبيت مسار التفاوض مع إسرائيل وحشد الدعم للجيش والدولة، وفقًا لما صدر عن مكتب دولة الرئيس.
ويكتسب لقاء روبيو أهمية خاصة؛ لأن واشنطن طرف أساسي في المسار الأمني والتفاوضي المتصل بالجنوب، فيما يقترب استحقاق اليونيفيل من نهايته، وسط بحث دولي في صيغة المرحلة التالية. وقد أكد قائد اليونيفيل، في 19 أيلول، ضرورة أن يكون الجيش اللبناني ووكالات الأمم المتحدة قادرين على تولّي المهام التي تنفّذها القوة قبل بدء انسحابها في نهاية العام، في حين تطالب بيروت بتمديد مهمتها خشية حصول فراغ أمني.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل يكون انتقال المسؤوليات من اليونيفيل إلى الجيش اللبناني انتقالًا منظّمًا يحفظ الأمن في الجنوب، أم يتحوّل انتهاء التفويض إلى فراغ ميداني، في لحظة لا تزال فيها الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية مفتوحة على احتمالات التصعيد؟ أم ستنجح الاتصالات واللقاءات في إقناع الأميركيين بضرورة وجود قوة أمنية وعسكرية فرنسية ـ إيطالية بصلاحيات موسّعة، وبالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» والجيش اللبناني؟
سلام في نيويورك: غطاء نيابي ومسار تفاوضي
ومن المنتظر أن يؤكد سلام، في كلمته ولقاءاته، أن لبنان ماضٍ في مسار حصر السلاح بيد الدولة واستعادة قرار الحرب والسلم، وأن التفاوض مع إسرائيل هو المسار الذي تتمسّك به الحكومة لمعالجة الوضع في الجنوب.
وسيبدو دخول سلام أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة أقوى، لأنه يصل إلى نيويورك بعد حصول حكومته على الثقة النيابية بـ68 صوتًا، وبالتالي يدخل اللقاءات الدولية بغطاء نيابي للحكومة، لكن في ظل استمرار الخلاف الداخلي حول السلاح والمفاوضات. وهذا ما قد يشكّل عاملًا ضاغطًا في اللقاءات الجانبية، التي تبدو، على ما يبدو، في حالة سباق مع تطورات الوضع الميداني في الجنوب.
«دراغون» والقنابل الثقيلة: إشارات عسكرية مقلقة
وفي توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتجمع مؤشرات عسكرية لا يمكن فصلها عن بعضها. ففي الأول من أيلول 2026، غادرت الغواصة الإسرائيلية الجديدة «دراغون» حوض شركة TKMS في مدينة كيل الألمانية متجهة إلى إسرائيل، في خطوة تعزّز قدرات البحرية الإسرائيلية على العمل بعيدًا من السواحل ولفترات طويلة، مع بقاء طبيعة بعض قدراتها الصاروخية الاستراتيجية غير معلنة رسميًا. وكان من المتوقّع أن تصل إلى ميناء حيفا خلال الأيام التالية.
وفي 15 أيلول أيضًا، برز في واشنطن مشروع صفقة تسليح لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، تتضمن 40 ألف قنبلة من فئة 2000 رطل، بينها 20 ألفًا من MK-84 و20 ألفًا من BLU-117، وهي صفقة كانت لا تزال في طور الإجراءات والمراجعة، ولم تكن قد تحوّلت بعد إلى شحنة وصلت إلى إسرائيل.
وبحسب ما أشار إليه بعض الخبراء العسكريين، فإن هذا النوع من القنابل مخصّص أساسًا للأهداف والتحصينات الثقيلة، ولا يمكن إسقاطه بصورة عشوائية في بيئات تتوافر فيها دفاعات جوية متطورة؛ الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول طبيعة الأهداف التي يمكن أن تُستخدم ضدها، وليس بالضرورة أن يعني ذلك حصرًا أن الهدف هو لبنان.
وعلى ما يبدو، فإن الهدف القادم قد لا يكون مجرد حسم عسكري، بل محاولة تغيير واقع ميداني، قد يتجاوز مسرحه الجنوبي إلى مناطق لبنانية أخرى، من البقاع إلى بيروت، إذا اتسعت دائرة المواجهة. والأخطر في ما قد يكون بصدد التحضير هو احتمال حصول عمليات تهجير قسري وفرض واقع ديموغرافي جديد، وسط استعادة ما أُشير إليه بعد أحداث السابع من تشرين الأول حول احتمال ترانسفير بعض من البنية العسكرية الإيرانية ـ اللبنانية المقاتلة في لبنان باتجاه العراق.
وهذا ما يثبت من جديد أن الشرق الأوسط لا يزال بعيدًا من التهدئة. فالأصحّ، من خلال سير الأحداث، أنه يتجه نحو إعادة تشكيل شاملة، سياسية واجتماعية واقتصادية وحتى ديموغرافية، بالحديد والنار.
فبين غواصة استراتيجية تشق طريقها من ألمانيا إلى إسرائيل، وقنابل ثقيلة يجري الدفع باتجاه تأمينها من الولايات المتحدة، تبدو المنطقة أمام تعزيز نوعي في أدوات القوة الإسرائيلية، في لحظة تتزامن مع تصاعد التوتر على الجبهة اللبنانية ومع الدخول في أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وهو ما يجعل السؤال المطروح ليس عن كل سلاح منفردًا، بل عن الرسالة الاستراتيجية التي تحملها هذه التحركات مجتمعة، وما إذا كانت تعكس استعدادًا لمرحلة جديدة من العمليات أو لتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة.
من لبنان إلى العالم: محاور تتشكّل وحروب تتقاطع
وذلك كلّه لا يبدو منفصلًا عن السياق العالمي الذي بات يدور في دائرة واحدة. فلم يعد السؤال: من سيبدأ الحرب ومن سيتورّط فيها؟ بل: من سينهيها ويحصد ثمارها؟ فخريطة الصراع الدولي تبدو وكأنها تتجه نحو تشكّل محاور متزامنة على أكثر من جبهة.
ففي أوروبا، تعزّز بريطانيا تعاونها الدفاعي مع بولندا، فيما تواصل الدول الأوروبية دعم أوكرانيا وتعزيز الجناح الشرقي لحلف الأطلسي في مواجهة روسيا، وصولًا إلى انضمام بولندا، في 18 أيلول، إلى ائتلاف مضاد للصواريخ الباليستية مع أوكرانيا ودول حليفة.
وفي الشرق الأوسط، برز «تحالف مكة» الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في اتفاق دفاع مشترك أُعلن في آب الماضي، على قاعدة اعتبار الاعتداء على دولة من الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا، في ظل تصاعد التوتر مع إيران وأذرعها. أما في آسيا، فتزداد أهمية التقارب الأمني بين اليابان وتايوان في مواجهة الضغوط الصينية، بالتوازي مع تنامي المخاوف من استخدام التجارة وسلاسل الإمداد كسلاح جيوسياسي.
وإذا تزامنت هذه المسارات العسكرية والاقتصادية مع اتساع رقعة المواجهات، فإن المخاطر لا تقتصر على ساحات القتال، بل قد تمتد إلى أمن الطاقة والغذاء والدواء وحركة الملاحة والطيران وسلاسل الإمداد العالمية. وقد أظهرت أزمات 2026 بالفعل كيف يمكن للحرب أن تستدعي إجلاء المدنيين وتعليق بعض الرحلات الجوية وإجراءات طوارئ واسعة.
غرينلاند وهرمز وباب المندب: الجغرافيا تتحوّل إلى سلاح
وفي موازاة ذلك، تتسارع إعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة والعالم: فالتفاهمات الأميركية حول غرينلاند، التي أُعلن عنها الأسبوع الفائت، تعكس توسعًا في الحضور والاهتمام العسكري الأميركي، فيما يبقى مضيقا هرمز وباب المندب في قلب صراع النفوذ وأمن الطاقة والملاحة.
فهذه التطورات كلها تعزّز ما طرحه الرئيس ترامب من خيارات أمام إيران: الضغط الأقصى، والهلاك الاقتصادي، أم الاتفاق بالشروط الأميركية. والاعتقاد السائد في معظم التحليلات أن الرئيس الأميركي لم يعد يتوقع من الإيرانيين القبول بتسوية سياسية كتلك التي نجح فيها، على البارد، مع غرينلاند.
وهذا ما عزّز تزايد التكهنات حول عودة الضربات وتصعيد الضغط على طهران، بالتوازي مع ضغوط على الحوثيين في اليمن وتنامي الحديث عن الدور العراقي في الصراع الإقليمي. ولبنان في عين هذه العاصفة. فهل يسلَم منها؟ أم أن الطوفان قادم لا محالة؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير