جيفري روبرتسون يدعو إلى محكمة دولية لمحاسبة المتورطين في إعدامات السجناء السياسيين في إيران
خاص بوابة بيروت
بعد عقود على إعدامات آلاف السجناء السياسيين في إيران عام 1988، لا تزال قضية المساءلة عن تلك الأحداث حاضرة في النقاش حول العدالة الدولية والإفلات من العقاب. وفي هذا السياق، دعا القاضي جيفري روبرتسون، الرئيس السابق للمحكمة الخاصة بسيراليون والخبير في القانون الدولي، إلى إنشاء محكمة دولية خاصة للتحقيق في الجرائم المنسوبة إلى مسؤولين إيرانيين خلال تلك المرحلة، وملاحقة من لا يزالون على قيد الحياة، بما في ذلك عبر المحاكمات الغيابية عند تعذر إحضار المتهمين أمام القضاء.
وقال روبرتسون إن استمرار غياب المحاسبة، بحسب تقديره، ساهم في تمكين مسؤولين متهمين بالضلوع في تلك الانتهاكات من مواصلة أدوارهم داخل مؤسسات الدولة، معتبرًا أن عدم معالجة الجرائم السابقة أتاح استمرار نمط من القمع والإعدامات خلال العقود اللاحقة.
وأوضح أنه بدأ منذ عام 2009 بإجراء مقابلات تفصيلية مع نحو 50 من الناجين والضحايا، إلى جانب مراجعة صحف ووثائق وشهادات مرتبطة بأحداث عام 1988. وقال إن ما توصل إليه من خلال هذه المواد يقوده إلى اعتبار ما حدث عملية قتل جماعي منظمة استهدفت آلاف السجناء السياسيين، وفي مقدمهم أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
وبحسب رواية روبرتسون، شهد صيف عام 1988 عزل السجون الإيرانية بصورة مفاجئة، مع وقف الزيارات والاتصالات، قبل إحالة السجناء إلى هيئات عُرفت لاحقًا باسم «لجان الموت». وأضاف أن قرارات مصيرية كانت تُتخذ خلال دقائق، استنادًا إلى إجابات السجناء عن أسئلة تتعلق بمواقفهم السياسية، قبل اقتياد أعداد منهم إلى الإعدام شنقًا أو رمياً بالرصاص.
وأشار إلى أن الضحايا دُفنوا بصورة سرية في مقابر جماعية، فيما حُرمت عائلات كثيرة، وفق ما عرضه، من معرفة مصير ذويها أو أماكن دفنهم.
ولفت روبرتسون إلى أن عمليات الإعدام، وفق الوثائق والشهادات التي راجعها، لم تقتصر على أعضاء وأنصار مجاهدي خلق، بل شملت لاحقًا سجناء ينتمون إلى اتجاهات سياسية وفكرية أخرى. واعتبر أن أحد أبرز جوانب القضية يتمثل في عدم خضوع المسؤولين عن تلك الأحداث للمحاسبة، مشيرًا إلى أن بعض الأسماء التي ارتبطت بها تولت لاحقًا مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة.
وربط القاضي البريطاني بين غياب المحاسبة عن أحداث عام 1988 وما وصفه باستمرار الانتهاكات خلال العقود التالية، وصولًا إلى قتل متظاهرين وتنفيذ إعدامات على خلفية الاحتجاجات. وقال إن تجاهل الجرائم السابقة لا يؤدي إلى اختفائها، بل يمكن، بحسب رأيه، أن يبعث برسالة مفادها أن ارتكاب الانتهاكات لن يترتب عليه ثمن قضائي.
ودعا روبرتسون المجتمع الدولي إلى التحرك، معتبرًا أن مجلس الأمن قادر على إنشاء محكمة دولية خاصة تتولى التحقيق في أحداث عام 1988 وتحديد المسؤوليات عنها، بما يسمح بملاحقة المتهمين المعروفين حتى في حال تعذر توقيفهم أو مثولهم أمام المحكمة في الوقت الراهن.
وأكد أن المحاكمات الغيابية، من وجهة نظره، لا تقتصر أهميتها على إصدار أحكام بحق أفراد، بل يمكن أن تساهم في إنشاء سجل قضائي دولي موثق يستند إلى الأدلة والشهادات، ويصعب على السلطات المعنية أو ممثليها إنكار الوقائع المثبتة فيه لاحقًا.
واستحضر روبرتسون تجربة محاكمات نورنبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن العدالة الدولية تؤدي أيضًا وظيفة تاريخية تتمثل في تثبيت الوقائع من خلال إجراءات قضائية وأدلة وشهادات، بما يمنع تحويل إنكار الجرائم إلى وسيلة لإخفاء المسؤولية.
وختم روبرتسون موقفه بالتأكيد أن مرور العقود لا ينبغي أن يشكل سببًا لإغلاق ملف إعدامات عام 1988، معتبرًا أن أسماء عدد من المسؤولين معروفة، وأن جانبًا كبيرًا من الأدلة والشهادات لا يزال متاحًا، وأن المطلوب هو الانتقال من مرحلة التوثيق إلى مسار قضائي دولي يحدد المسؤوليات ويثبت الوقائع أمام الأجيال المقبلة.