إلغاء #الإعدام وإعدام #الإعلام

من مشانق #جمال_باشا، إلى رصاص #الحرب الأهليّة وعبوات الاغتيال السياسي، إلى نيران الحروب المتعاقبة، ظلّ الصحافي اللبناني يدفع ثمن قيامه بوظيفته الأساسية : أن يكون شاهدًا، وأن ينقل الحقيقة مهما كانت صعبة. ومن هنا تحديدًا تكتسب معركة #قانون_الإعلام معناها الحقيقي.

افتتاحية #بوابة_بيروت بقلم مدير التّحرير د. ميشال الشّمّاعي

@DrMichelCHAMMAI

سادَت أجواءٌ من الاطمئنان الأوساطَ الإعلاميّة بعد الجلسات المطوّلة التي شهدتها اجتماعات نقابتي الصحافة والمحرّرين مع النواب ووزارة الإعلام. وكان الأمل في أن تكون هذه بدايةً لمرحلةٍ ناصعة من الحرّيّة الإعلاميّة، على أثر تقديم عشرات الملاحظات والاقتراحات. كما تمّ التوافق على تعديلات جوهريّة، في مقدّمها إلغاء عقوبة السجن عن الصحافي، إلى جانب تعديلات تتّصل بالهيئة الوطنيّة للإعلام وبحماية المواقع الإلكترونيّة وقيمتها المهنيّة.

فأتت النتيجة مخيّبةً للآمال بعد إقرار القانون في الهيئة العامّة من دون إدخال هذه التعديلات، ما أعاد طرح السؤال حول جدوى المناقشات، ولا سيّما حول المادّة التي تمّ تعديلها فعليًّا قبل وصول القانون إلى الهيئة العامّة، لكنّ هذا التعديل لم يُلغَ في الجلسة العامّة. وهذا ما شكّل موضع الاعتراض الأساسي. فالمادّة المذكورة تتضمّن بشكل واضح في فقرتيها باء وجيم أحكامًا تتيح فرض عقوبات سجنيّة في قضايا تتعلّق بـ«اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية».

ولعلّ سبب الاعتراض على ذلك هو أنّ هذا النّصّ القانوني يعيد باب التّجريم والعقوبات السجنيّة في قضايا النّشر، بعدما كان التوجّه في مشروع القانون المعدّ نقلها إلى المسؤوليّة المدنيّة. وهذا ما أدخل هذا القانون منذ ولادته في سلسلة من المطبات السياسيّة ترتبط بالحرّيّات العامّة، وحتى بالحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة.

وهذا ما يتعارض مع المادّة 13 من الدّستور اللبناني التي تصون حرّيّة إبداء الرّأي قولًا وكتابةً… والمادّة 19 من الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان التي تعبّر بطريقة أوضح، حيث تنصّ على: «لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّيّة الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود.»

هذا القانون الذي أتى بعد إلغاء عقوبة الإعدام، حيث أعاد لبنان إلى دولة تحترم حقوق الإنسان التي كان لابنها الدّكتور شارل مالك الباع الطويل في وضع الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان في أربعينيّات القرن الماضي، يوم لم يكن هؤلاء بعد مجرّد نُطَفٍ لم تتكوّن بعد.

هذا القانون، كما تمّ إقراره، سيترك إشكاليّات جديدة، ولا سيّما في ما يتعلّق بالهيئة الوطنيّة وصلاحيّاتها وتركيباتها. هل ستعتمد على المعايير العلميّة، أم سنكون أمام هيئة جديدة تضاف إلى الهيئات التي ستثقل كاهل الدّولة أكثر فأكثر؟ ومن يستطيع بعد هكذا قانون أن يعطي الضمانات الفعليّة لحرّيّة الصحافي وحماية المؤسّسات الإعلاميّة؟

خطورة ما حدث تكمن في أنّ الاعتراض انتقل من مجرّد اعتراض على قضايا تقنيّة في القانون، ليفتح باب الاعتراض على التعدّي على الحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة من جهة، وعلى حرّيّة التعبير والفكر من جهة ثانية، من حيث الدّفاع عن جوهر الحرّيّة الإعلاميّة. فالحدّ من الأخبار المغلوطة لا يكون بفرض القيود على الصحافيّين والإعلاميّين. فهذه، قبل كلّ شيء، مسألة ترتبط بأخلاقيّات المهنة. ومَن لا يتحلّى بهذه الأخلاقيّات، فهذه المهنة بحدّ ذاتها هي التي ستعاقبه.

نتيجةً لذلك، سارعت نقابة الصحافة اللبنانيّة إلى دعوة جميع الصحافيّين والمحرّرين والإعلاميّين في لبنان إلى الحضور، عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم الأربعاء، إلى مقرّ النقابة، حيث يُعقد مؤتمر صحافي مشترك بين نقابتي الصحافة والمحرّرين، لإعلان رفض القانون بصيغته التي أُقرّ بها، ووضع خطّة تحرّك لمواجهته، دفاعًا عن حرّيّة الإعلام والإعلاميّين، وصونًا لوحدة الجسم الإعلامي.

ولكنّ هذا الواقع لا يعني أن تتفلّت هذه المهنة من الضوابط القانونيّة بالكامل تحت ذريعة الحرّيّات. هذا ما يدفع إلى قانون إعلام عصري، الذي بات يشكّل ضرورةً ملحّة، شرط ألّا يتحوّل القانون إلى أداة تضييق أو استنسابيّة، بل إلى أرضيّة تُستكمل لاحقًا بتعديلات وإضافات تكرّس استقلاليّة الإعلام وتحفظ مكانة الصحافي والمهنة، لأنّ حماية حرّيّة الإعلام لا تكون بالنصوص وحدها، بل بضمانات واضحة تمنع أيّ جهة من تحويل القانون إلى وسيلة لقمع الكلمة أو إخضاعها.

وهذا يحدو بنا إلى استنهاض الأدوار النقابيّة والإعلاميّة لمنع هكذا قانون من أن يتحوّل إلى طوق جديد يلفّ على رقبة الصحافة كمهنة حرّة، لتصبح صحافة البلاط والحكم فقط. وهذا ما لا يقبل به أيّ منطق في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يستطيع توليد مئات الأفكار المغلوطة والدسائس الإعلاميّة بأسماء وحسابات وهميّة تضرب مصداقيّة المهنة برمّتها.

فالمعركة اليوم أصبحت بإسقاط هذا القانون كما أُقرّ، وإدخال التعديلات التي تمّ التوافق عليها، حتّى تكون بداية المواجهة الديمقراطيّة والقانونيّة الوصول إلى قانون يليق بتاريخ هذه المهنة التي قدّمت قوافل من الشهداء الذين عمّدوا ساحة الحرّيّة باسمهم في زمن جمال باشا السفّاح: من عبد الغني العريسي، وعبد الحميد الزهراوي، ومحمد محمصاني، وعمر حمد، ورشدي الشمعة، وشفيق المؤيّد العظم، وقد أُعدموا في ساحة البرج في بيروت في 21 آب 1915، ثم في 6 أيار 1916.

إلى إدوار صعب عام 1975، إلى سليم اللوزي ورياض طه عام 1980، وحسن حمدان «مهدي عامل» عام 1987، وصولًا إلى سمير قصير وجبران تويني عام 2005، وليال نجيب عام 2006، بقيت الصحافة اللبنانيّة شاهدةً على تاريخ طويل من استهداف الكلمة وأصحابها. هذا فضلًا عن الذين انضمّوا إلى هذه القافلة بالنيران الإسرائيليّة، في الأعوام الثلاثة الأخيرة.

وهكذا، من مشانق جمال باشا، إلى رصاص الحرب الأهليّة وعبوات الاغتيال السياسي، إلى نيران الحروب المتعاقبة، ظلّ الصحافي اللبناني يدفع ثمن قيامه بوظيفته الأساسيّة: أن يكون شاهدًا، وأن ينقل الحقيقة مهما كانت صعبة. ومن هنا تحديدًا تكتسب معركة قانون الإعلام معناها الحقيقي.

فبعد كلّ هذه الدماء، لا يجوز أن يأتي القانون الذي يفترض أن يحمي الصحافة ليضع قيودًا جديدة على الكلمة أو يترك الصحافي مكشوفًا أمام السجن والاستنساب والضغط، بعد كلّ ما يمكن أن يتعرّض له. فهل يصحّح التّاريخ أخطاء القانون؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك