
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
لا تسلّموا أشرف دبور إلى رام الله
لبنان ليس ساعي بريد لتصفية حسابات محمود عباس وورثته السياسيين
خاص بوابة بيروت
لست مدافعاً عن أشرف دبور، ولن أكون. بل ربما أكون، من واقع تجربتي الشخصية خلال السنوات التي عشت فيها في لبنان، من الأشخاص الذين لديهم أسباب أكثر من غيرهم لانتقاد الرجل. لقد تضررت شخصياً خلال المرحلة التي كان فيها أشرف دبور سفيراً لفلسطين في لبنان، كما تضرر عدد من زملائي.
لكن خصومتي مع أي شخص لا يمكن أن تكون خصومة مع العدالة.
ولا يجوز أن تتحول التجارب الشخصية، مهما كانت قاسية، إلى مبرر للقبول بانتهاك القانون أو استخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية.
إذا كان أشرف دبور فاسداً، فحاسبوه.
إذا اختلس أموالاً، فافتحوا حساباته.
إذا ارتكب جرائم في لبنان، فحققوا معه أمام القضاء اللبناني.
وإذا كانت الأدلة تدينه، فليدخل السجن بحكم قضائي عادل.
لكن لماذا يُسلَّم إلى رام الله؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم في بيروت، بعيداً عن الحب والكراهية، وعن حركة فتح وخصومها، وعن أشرف دبور نفسه.
القضية لم تعد دبور
أفادت المعلومات المنشورة في لبنان بأن النيابة العامة التمييزية أوصت الحكومة اللبنانية بتسليم السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور إلى رام الله، على أن يرفع الملف إلى السلطة التنفيذية لاتخاذ القرار النهائي.
وهنا أصبحت القضية أكبر من الرجل.
نحن أمام دولة ذات سيادة اسمها لبنان، وأمام طلب صادر عن سلطة فلسطينية تعاني منذ سنوات أزمة شرعية سياسية ودستورية عميقة، وتعمل أصلاً تحت واقع الاحتلال الإسرائيلي.
فبأي منطق يُسلَّم شخص إلى هذه السلطة قبل أن يسأل لبنان عن الضمانات التي تنتظره هناك؟
ومن سيضمن سلامته؟
ومن سيضمن استقلال التحقيق معه؟
ومن سيضمن أن الملفات الجنائية المعلنة لن تصبح غطاءً لتصفية خلاف سياسي؟
محمود عباس… ولاية انتخابية انتهت منذ 2009
لا يمكن مناقشة طلب رام الله من دون الحديث عن شرعية السلطة التي تطلب التسليم.
انتُخب محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية في 9 يناير/كانون الثاني 2005 لولاية مدتها أربع سنوات.
انتهت السنوات الأربع، ولم ينتخب الفلسطينيون محمود عباس لولاية رئاسية جديدة.
ومنذ يناير/كانون الثاني 2009 يعيش النظام السياسي الفلسطيني خلافاً دستورياً وسياسياً عميقاً بشأن استمرار عباس في الرئاسة والأساس القانوني لممارسته صلاحياته في غياب انتخابات رئاسية جديدة.
لقد مضى أكثر من عقد ونصف من دون تجديد التفويض الشعبي للرئيس.
فكيف يمكن لدولة مثل لبنان أن تتعامل مع طلب بهذه الخطورة وكأنه إجراء إداري عادي؟
التسليم ليس ورقة توقع وتنتهي.
إنه وضع إنسان تحت سلطة أجهزة سياسية وأمنية وقضائية أخرى.
ولبنان مسؤول أخلاقياً وقانونياً عن دراسة ما سيحدث لهذا الإنسان بعد عبوره الحدود.
إذا ارتكب جرائمه في لبنان… فلماذا لا يحاكمه لبنان؟
هذه النقطة يجب ألا تضيع وسط الضجيج.
أشرف دبور أمضى سنوات طويلة في لبنان وكان سفيراً لفلسطين فيه.
وإذا كانت الاتهامات الموجهة إليه تتعلق بأموال أو أعمال أو ممتلكات أو معاملات جرت كلياً أو جزئياً على الأراضي اللبنانية، فإن السؤال الطبيعي هو:
لماذا لا يحقق القضاء اللبناني فيها ضمن حدود اختصاصه؟
بل إن التحقيق اللبناني المستقل قد يكون الطريق الأفضل للوصول إلى الحقيقة.
ليفتح القضاء الملفات.
وليتتبع حركة الأموال.
وليدقق في الممتلكات والحسابات والتحويلات والعقود.
وليستدعِ كل من يجب استدعاؤه، من دون اعتبار للرتبة السياسية أو التنظيمية.
ولا تتوقفوا عند أشرف دبور.
إذا كانت هناك منظومة فساد، اكشفوا المنظومة كلها.
اعتقال دبور قد يكون رسالة إلى مئات غيره
هنا نصل إلى البعد الأخطر.
السؤال السياسي الحقيقي ليس فقط: لماذا اعتُقل أشرف دبور؟
بل: ماذا فهم كل مسؤول فلسطيني في لبنان عندما رأى ما حدث لأشرف دبور؟
الرجل لم يكن موظفاً صغيراً.
كان سفيراً، وواحداً من أبرز وجوه حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان لسنوات طويلة.
والقيادات الفلسطينية التي عملت داخل هذه المنظومة تعرف بعضها جيداً.
تعرف الملفات.
تعرف الأموال.
تعرف الممتلكات.
تعرف القرارات.
وتعرف من أمر، ومن وقّع، ومن استفاد، ومن كان يعلم.
وحين يرى هؤلاء أن رجلاً كان في قلب هذه المنظومة أصبح خلف القضبان بعد خلافات سياسية حادة، فإن الرسالة التي قد تصل إليهم لا تحتاج إلى تعميم رسمي:
اصمتوا.
لا تعترضوا.
لا تفتحوا الملفات.
لا تتحدثوا عما تعرفونه.
ولا تقفوا في وجه القرارات المقبلة.
لأن من كان بالأمس سفيراً قد يصبح غداً سجيناً.
وهكذا يصبح الخوف أداة حكم.
وليد جنبلاط طرح السؤال الذي يخشاه الجميع
لم يكن موقف الزعيم الدرزي والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تفصيلاً عابراً، عندما تساءل عن أسباب اعتقال أشرف دبور، وأثار مسألة ما إذا كان لبنان قد دخل في تصفية حسابات فلسطينية داخلية. فصدور هذا التساؤل عن شخصية سياسية لبنانية بحجم جنبلاط يمنحه دلالة تتجاوز مجرد التعليق على واقعة توقيف، ويفتح الباب أمام أسئلة جدية حول الخلفيات السياسية للقضية والجهات التي تقف وراء طلب تسليم دبور إلى رام الله.
هذا السؤال يجب ألا يدفن.
لأن لبنان إذا بدأ بتسليم خصوم هذه القيادة أو تلك بناء على صراعات سياسية داخلية، فسوف يفتح باباً بالغ الخطورة.
اليوم أشرف دبور.
ومن غداً؟
وأي مسؤول فلسطيني في لبنان سيجرؤ بعد ذلك على الاعتراض إذا اعتقد أن خصومه قادرون على ملاحقته وتسليمه؟
ياسر عباس… من رجل أعمال إلى قلب السلطة
ثم يأتي اسم لا يمكن إخراجه من النقاش: ياسر عباس.
الرجل ليس مجرد مواطن فلسطيني يحمل اسماً معروفاً.
إنه ابن محمود عباس، ورجل أعمال جمع ثروته من أموال الشعب الفلسطيني فأصبح مليونيراً ببضع سنوات ، بل و أصبح حضوره السياسي داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية موضع اهتمام وتساؤل متزايد.
وطوال سنوات، تناولت وسائل إعلام دولية أعمال ياسر عباس وشقيقه طارق، وأثيرت اتهامات وتساؤلات حول ثرواتهما وأعمالهما وعلاقتهما بنفوذ والدهما السياسي.
والإنصاف يفرض التأكيد أن الاتهام ليس إدانة، وأن الرجلين نفيا اتهامات وجهت إليهما.
لكن وجود هذه الأسئلة يجعل الشفافية أكثر ضرورة، لا أقل.
ومن حق الفلسطيني أن يسأل: كيف ينتقل ابن الرئيس من عالم الأعمال إلى قلب النفوذ السياسي؟
وبأي تفويض؟
وبأي انتخابات؟
وبأي مؤسسة؟
وأين تنتهي سلطة الأب وتبدأ طموحات الابن؟
هذه ليست أسئلة محرمة.
ولا ينبغي أن يصبح من يطرحها عدواً يجب إسكات صوته.
معلومات مقلقة عن سلامة دبور
تصل معلومات وادعاءات مقلقة بشأن مصير أشرف دبور إذا جرى تسليمه إلى رام الله، بما فيها مخاوف تتعلق بسلامته الجسدية وبإمكانية استغلال وضع صحي محتمل.
لا أملك حتى الآن دليلاً مستقلاً يسمح لي باتهام شخص أو جهة بالتخطيط لتصفيتهـ لكنهم قد يقتلون أشرف دبور ، ولن أحوّل معلومة غير مثبتة إلى حقيقة صحفية.
لكنني أضع هذه المخاوف أمام السلطات اللبنانية علناً.
ومن هذه اللحظة يجب توثيق الوضع الصحي لأشرف دبور بصورة رسمية وشفافة.
يجب ضمان وصول محاميه إليه.
ويجب ضمان حصوله على الرعاية الطبية اللازمة.
ويجب ألا يجري تسليمه إلى أية جهة قبل التحقق بصورة مستقلة من جميع الضمانات المتعلقة بسلامته ومحاكمته وحقوقه.
فالوقاية هنا ليست ترفاً.
إنها مسؤولية.
إلى رئيس الحكومة اللبنانية: لا تجعلوا لبنان أداة في أيدي الآخرين.
ومن هنا أتوجه مباشرة إلى رئيس الحكومة اللبنانية: لا تسمحوا بأن يتحول لبنان إلى أداة لتصفية الحسابات الفلسطينية.
ولا تسمحوا بأن يكون قرار بهذه الخطورة نتيجة ضغوط سياسية أو علاقات شخصية أو مصالح مالية أو شبكات نفوذ.
وأطالب الحكومة اللبنانية برفض طلب تسليم أشرف دبور إلى سلطة محمود عباس ما لم تتوافر بصورة قاطعة ومستقلة الضمانات القانونية والقضائية والحقوقية التي يفرضها ملف بهذه الخطورة.
وأطالب، بدلاً من ذلك، بفتح الباب أمام القضاء اللبناني للتحقيق في كل جريمة تدخل ضمن اختصاصه.
إذا كان دبور فاسداً، حاكموه.
وإذا كان بريئاً، أطلقوا سراحه.
وإذا كان معه شركاء، فاذهبوا إليهم أيضاً.
لكن لا تسلموه إلى خصومه ثم تقولوا إن لبنان أدى واجبه.
وأدعو رئيس الحكومة اللبنانية إلى عدم السماح لأي مسؤول لبناني، أياً كان منصبه، بتحويل علاقته بالسلطة الفلسطينية أو برجالها إلى عامل يؤثر في قرار الدولة.
أما الحديث المتداول منذ سنوات عن علاقات مالية ومصالح وشبكات نفوذ وشراء ولاءات داخل لبنان، فهو سبب إضافي لفتح تحقيق مستقل في أي ادعاء تتوافر بشأنه أدلة، وليس سبباً لإطلاق الأحكام بلا إثبات.
إن كانت هناك أموال سياسية فلسطينية استُخدمت لشراء نفوذ أو ولاءات في لبنان، فليحقق القضاء اللبناني.
ولتظهر الأسماء.
ولتكشف الحسابات.
ولتتحدث الأدلة.
فنحن لا نريد استبدال اتهام غير مثبت باتهام آخر غير مثبت.
نريد الحقيقة.
لا أدافع عن دبور… بل عن قاعدة يجب ألا تسقط
أكررها للمرة الأخيرة: لا أدافع عن أشرف دبور.
لقد تضررت منه شخصياً، وتضرر منه أشخاص أعرفهم.
لكنني سأكون أول من يرفض أن تتحول خصومتي معه إلى شماتة بسجنه أو إلى صمت أمام احتمال استخدام القانون للانتقام منه.
فالعدالة التي ندافع عنها عندما يكون المتهم صديقنا، ثم نتخلى عنها عندما يكون خصمنا، ليست عدالة.
لذلك أقول للحكومة اللبنانية: لا تسلموا أشرف دبور إلى رام الله.
حققوا معه في لبنان.
حاكموه إذا كانت هناك أدلة.
افتحوا ملفاته.
وافتحوا معها ملفات كل من شاركه إذا ثبت وجود شركاء.
افتحوا ملفات الأموال والممتلكات الفلسطينية في لبنان.
واكشفوا من أثرى، ومن استفاد، ومن باع، ومن اشترى، ومن توسط، ومن حصل على الأموال، ومن اشترى النفوذ إن كانت الأدلة تثبت ذلك.
لكن لا تجعلوا لبنان ساعي بريد يحمل خصوم السلطة الفلسطينية إلى سجونها.
فالمشكلة لم تعد أشرف دبور.
المشكلة أصبحت أكبر بكثير: هل تريد سلطة رام الله محاكمة رجل متهم بالفساد، أم تريد أن تجعل منه درساً لكل من يعرف ملفاتها ويفكر يوماً في فتح فمه؟
وعندما يصبح السجن جواباً عن السؤال، والخوف جواباً عن المعارضة، والنفوذ بديلاً عن المؤسسات، فعندها لا يعود السؤال: ماذا فعل أشرف دبور؟
بل يصبح: من يخاف مما يعرفه أشرف دبور؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير