لاهوت “النهب” : حين يمنح “كهنة” الزعيم صكوك الغفران للصوص الهيكل

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

ليس ثمة ما هو أخطر على الأوطان من دينٍ بلا ضمير، ومن سلطةٍ بلا أخلاق.

في لبنان، حيث تآكلت شرعية المؤسسات تحت وطأة الفساد الممنهج، لم يجد أباطرة السياسة ملاذاً لترميم عروشهم المتداعية إلا الاحتماء بالمحراب.

نحن اليوم أمام مشهدٍ سريالي يتجاوز التحالف العابر؛ نحن أمام عملية اختطاف ممنهجة للسماء لتبرير موبقات الأرض، حيث تحول الدين من “ثورة على الظلم” إلى بوليصة تأمين للفاسدين.

الدين كـ “نبراس” قيمي.. لا كـ ستار سياسي

إننا ننطلق من ثباتٍ أخلاقي راسخ: لا يمكن للدولة أن تنهض، ولا للسياسة أن تستقيم، إذا انقطعت عن الوازع الروحي والقيم السامية التي جاءت بها الأديان كنبراسٍ للحق والعدل.

الدين في جوهره هو البوصلة التي تضبط جموح السلطة، وهو الواعظ الذي يقف سداً منيعاً في وجه الطغيان.

لكن الفاجعة اللبنانية تكمن في أن هذا النبراس جرى إطفاؤه عمدًا؛ ليس بيد “العلمانية” كما يروج المستفيدون، بل بيد طبقة سياسية فاسدة “أمّمت” المؤسسات الدينية وحولتها إلى مكاتب علاقات عامة وظيفتها تبرئة القاتل وإدانة الضحية، ومنح حصانة إلهية لسرقات موصوفة.

موظفون برتبة واعظ، فضيحة التعيين المسيس

المشكلة ليست في جوهر الدين، بل في الأدوات التي ترتدي ثيابه..

لقد نجحت منظومة المحاصصة في لبنان في إحكام قبضتها على المنبر؛ فمعظم الرموز الدينية التي تصدّرت المشهد هي نتاج كواليس حزبية وتعيينات مرتهنة..

حين يختار الفاسد واعظه الخاص، وحين يقبض رجل الدين ثمن موافقه من ميزانيات الزعماء، يسقط الفارق فوراً بين قدسية المنبر ووضاعة البروباغندا الحزبية.

لقد خُلقت طبقة من رجال الدين الموظفين الذين تحولوا إلى جزء عضوي من بنية السلطة؛ مهمتهم الأساسية ليست حماية الإيمان، بل تخدير الوعي الجمعي، وإقناع الجائع بأن فقره ابتلاء يجب الصبر عليه، وأن نقد ولي الأمر هو “فتنة” تضرب الميثاقية.

الحصانة المتبادلة، المخبأ الأخير للأباطرة

حين يضيق الخناق القضائي أو الشعبي على فاسد، يحتمي فوراً بـ عباءة طائفته وسدنة هياكلها.

وهنا تبرز الخيانة الكبرى للأمانة: بدلاً من أن يكون رجل الدين أول المحاسبين للمسؤول، نراه يتحول إلى حارس شخصي لهالته.

هذه “الحصانة التبادلية” أنتجت مثلث الموت اللبناني:

  • زعيم ينهب الدولة تحت مسمى حقوق الجماعة.
  • رجل دين مُعيّن يشرعن المظالم بنصوص مُجتزأة.
  • جمهور مُغيب يُساق خلف شياطين يرتدون مسوح القديسين.

حتمية التطهير، لا إصلاح دون كسر عصا الترهيب الديني

إن أي حديث عن تغيير في لبنان سيبقى مجرد هراء لفظي ما لم تمتد يد الإصلاح لتفكيك هذه التبعية.

لا يمكننا بناء دولة مدنية عادلة بينما تظل الأدوات المعنوية للاستبداد تعمل بكفاءة خلف العمائم.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بـ فك الارتباط القسري بين السلطة والمؤسسة الدينية.

نحن بحاجة إلى ثورة بيضاء تُقصي “وعاظ السلاطين” وتستبدلهم بوجوه شابة ومستقلة، تعيد للدين دوره كـ نبراس أخلاقي عابر للولاءات، وكصوت للحق لا يخشى في الله لومة “زعيم”..استعادة الدين من خاطفيه السياسيين هي الخطوة الصفر لاستعادة الدولة من ناهبيها.

المحراب للعبادة.. لا لتغطية الجريمة

لقد سقطت الأقنعة وتعرّت المقايضة. إن تحرير الدين من قبضة السياسي هو فعل إيمان مطلق، وليس موقفاً عدائياً. المعركة اليوم ليست بين مؤمن وملحد، بل بين “دين القيم” الذي يحمي الإنسان، وبين دين الوظيفة الذي يحمي الكرسي.

لمنظومة التبرير أقول… لقد فقدتم شرعيتكم، ولن تعيدها لكم مئات الفتاوى والخطب المعلبة..

السياسة مجال للبشر يُحاسبون فيه، وليست مقاماً للقداسة. لا حصانة لمن يبرر إذلال اللبنانيين، ولا كرامة لمن يبيع المنبر لخدمة القصر.

الدين الذي يبرر الظلم يفقد جوهره، والسلطة التي تختبئ خلف “العمامة” هي سلطة تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى القانون.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com