
كاتب
أفراح “شرعيّة”
بقلم عقل العويط
بعد ثلاثة أيّام يبدأ مهرجان كأس العالم في كرة القدم. أنتظر المناسبة، مرّةً كلّ أربع سنوات، كما ينتظر حلمٌ طفوليٌّ مستحيلٌ هديّته اليتيمة. لا أستحي أنْ أقول إنّي لا أزال أتعمشق بكوني ذلك الطفل الذي كنته قبل عمرٍ ليس بقصير. ليس لأنّي أهرب من عمري، أو لأنّي أكره التقدّم في السنّ، بل لأنّي أستهول ما آلت إليه حيواتنا الفرديّة والجماعيّة تحت سنابك الوحشيّات الشرقيّة المتمادية.
لقد خسرنا أفراحنا الحقيقيّة؛ الأفراح الصغيرة، المتواضعة، الأصيلة، الأصليّة، وخسرنا معها القدرة على التصديق أنّ في مقدورنا أنْ نجترح أفراحًا حقيقيّةً جديدةً، من مثل التي لا يدري أحدٌ بها، من فرط ما هي خفيضة الجناح، كنسمةٍ عابرة في ممالك التخييل.
خسارة هذه الأفراح، يا لها من خسارة، ولا أتردّد في اعتبارها مأساةً مماثلةً لأيّ مأساةٍ كبرى، وفجيعة، من حيث رمزيّتها الدلاليّة، لأنّ استئصالها ينتمي، على رغم بساطتها وتواضعها، إلى المقتلة الوجوديّة مطلقًا.
الخسارات أيضًا هي الأفراح التي لا تُعَوَّض، ولا يعزّيها مالٌ وإيديولوجيا وإسنادٌ وحربٌ وتحريرٌ “هو احتلالٌ” وحزبٌ وشهادةٌ وشهوةُ موتٍ وانتحار. فأرجو القرّاء أنْ ينعموا النظر في هذه الخسارات – المآسي، وأنْ لا يستسخفوها، ويقلّلوا شأنها.
فأنْ لا يعود أحدنا قادرًا على اجتراح فرحٍ ضئيلٍ في حياته، كفرحِ أنْ يأوي إلى بيته، ليتمتّع بمباراةٍ في كرةِ القدم، وراء شاشة تلفزيونه، وآمنًا مطمئنًّا؛ فهذه، والله، فرصةُ فرحٍ ضائعةٌ، يجب أنْ يُحاسَب عليها مَن يتسبّب بإهدارها. بل هي سرقةٌ موصوفةٌ لحقٍّ، فمَن يحاسب سارق الحقّ. ويا لها جريمةً، فمَن يحاكم مرتكبها؟!
هل من معنًى يبقى للحياة، أيّ حياة، إذا كانت منذورةً أصلًا وفصلًا لليأس، للحزن، للألم، للّاأمل، وممنوعةً تاليًا من فرحٍ كهذا؟
تتزامن مباريات كأس العالم هذه السنة، مع المآسي والفواجع العظمى التي يعيشها بلدنا وأهلنا. أراني أخجل من نفسي لأنّي أُشهِر رغبةً بفرحِ حضورِ مبارياتِ الكرة هذه؛ هي رغبةٌ بفرحٍ أجدني أكتمه، وأخفض جناحه، احترامًا لمَن لم يعد في مقدوره أنْ يفرح بشيء.
ترى، هل بقي لدى صديقي مصطفى، في خضمّ همجيّات الاحتلال والتشريد والتهجير والتجريف والتحرير والإسناد، ما يحمله على البحث عن شاشة تلفزيون، واشتراكٍ فضائيٍّ مجّانيٍّ، بما يتيح له حضور المباريات؟ وإنّما أسأل سؤالًا رمزيًّا كهذا، كنايةً عن أوجاعٍ وجوديّةٍ وكيانيّةٍ، الأرجح أنْ لا فرصة للشفاء منها بعد الآن. أرجو أنْ أكون مخطئًا في ترجيح هذا التشاؤم.
كان بودّي أنْ أكتب عن اللحظة الدمويّة المارقة هذه، التي وُرِّط بها لبنان وأهله توريطًا شيطانيًّا جهنّميًّا، وهو وأهله منها براءٌ.
ليس ممّا “يفرح” القلب أنْ يجد المسؤول نفسه مدفوعًا “قسرًا” إلى أنْ يختار أبغض الحلال، بحثًا عن ثغرةِ نجاةٍ محتملة، كم تحيق بها رِيَبٌ وأخطارٌ وملمّاتٌ وفخاخٌ وأفاعٍ… وأعداء!
سيجلس امرؤٌ وراء شاشة تلفزيون، وحيدًا، ابتداءً من هذا الحادي عشر، باحثًا عن وهمٍ بفرحٍ شائكٍ وشاقّ، وهو وهمٌ مضرّجٌ بالحشرجات القصوى. لكنّه حقٌّ مطلقٌ لصديقي مصطفى، للجميع، لي أيضًا، ويجب أنْ لا يُبتَزّ أيٌّ كان، بأنْ يشعر بالعيب، لأنّه يطلب لنفسه فرحًا كهذا.
فمن الواجب أنْ يملك المواطنُ المسروقةُ حياته، بل المسؤولُ، شجاعةً أدبيّةً فوق العادة، لا بدّ منها في الأوقات المصيريّة الحرجة، لتطلُّبِ ما تستوجبه العقلانيّة والواقعيّة والبصيرة والحكمة والمسؤوليّة وكرامة الموقف من رفض الموت المنتحر، متمثّلًا في استرهان البلاد والناس والأرض دروعًا “غير شرعيّة”، بل كافرة، وأضاحيَ لنحرٍ جماعيٍّ ومجتمعيّ أكيد.
أمّا أفراحنا الصغيرة المتواضعة فـ”شرعيّة” بالطبع.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير