الحوثيون وحربهم على طفولة اليمن : أطفالٌ يُساقون إلى الجبهات ومدنيون يُتركون وقودًا للحرب “ج1”
عندما يُساق الطفل نحو الحرب بدل المدرسة، ويُقمع المدني بدل حمايته، ويُختطف المعارض بدل أن يُسمع صوته، فإن الوثائق والأرقام لا تعود مجرد مادة لتقرير حقوقي...
خاص بوابة بيروت
ليست مأساة اليمن مجرد نزاع مسلح طال أمده حتى اعتاد العالم أخباره، بل مأساة مجتمع يعيش منذ سنوات تحت وطأة السلاح والانقسام والانهيار الإنساني. وفي قلب هذا المشهد تقف جماعة الحوثيين بوصفها جماعة إرهابية مسلحة فرضت سلطة أمر واقع بالقوة على مساحات واسعة من البلاد، وأقامت أجهزة أمنية وعسكرية ومؤسسات تخضع لسيطرتها، فيما تراكمت ضدها على مدى سنوات تقارير دولية توثق أنماطًا من الانتهاكات بحق الأطفال والمدنيين والمعارضين والعاملين في المجال الإنساني.
وهنا لا تكمن خطورة القضية في اسم الجماعة أو في موقف هذه الدولة أو تلك منها، بل في الأفعال نفسها. فالمعيار الحقوقي ليس واشنطن ولا طهران ولا أي عاصمة أخرى؛ المعيار هو القانون، وحياة المدنيين، وحقوق الأطفال، وحرمة الجسد والحرية والكرامة الإنسانية.
وتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن لعام 2025 لم يكتف بالحديث عن تجاوزات متفرقة، بل قال إن الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان استمرت، وإن معظم الانتهاكات التي تمكن الفريق من التحقق منها نُسبت إلى الحوثيين. كما تحدث عن استراتيجية داخلية تهدف إلى تضييق المجال المدني وقمع المعارضة وإعادة تشكيل المؤسسات بما يسمح بترسيخ السيطرة والتلقين على المدى الطويل.
الطفولة في خدمة آلة الحرب
أشد ما يمكن أن تدان به جماعة مسلحة ليس مقدار ما تملكه من صواريخ، بل اللحظة التي يصبح فيها الطفل جزءًا من مخزونها البشري.
بحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة الخاصة بالأطفال والنزاع المسلح، تم التحقق خلال عام 2025 من 742 انتهاكًا جسيمًا بحق 652 طفلًا في اليمن، ومن بينها تجنيد واستخدام 262 طفلًا من جانب أطراف النزاع. هذه ليست تقديرات سياسية أو أرقامًا متداولة على وسائل الإعلام، بل حالات خضعت لمنهج التحقق الأممي.
وتجنيد الطفل لا يبدأ دائمًا عندما توضع البندقية في يده. يمكن أن يبدأ بالتعبئة، ثم التدريب، ثم الحراسة أو نقل المعلومات أو العمل عند نقاط التفتيش، وصولًا إلى المشاركة في القتال.
وهذا هو السبب في أن ما ورد في تقارير الأمم المتحدة عن المخيمات والأنشطة التي يتعرض فيها الأطفال لمضامين عسكرية لا يجوز التعامل معه باعتباره تفصيلًا هامشيًا. فحين تصبح البيئة التي يفترض أن يتعلم فيها الطفل بوابة إلى التعبئة العسكرية، فإن المسألة تتجاوز واقعة تجنيد فردية إلى خطر عسكرة جيل كامل.
وفي تقرير فريق الخبراء لعام 2024، أبلغت الحكومة اليمنية الفريق بأنها تلقت 3,298 بلاغًا عن تجنيد أطفال من جانب الحوثيين خلال النصف الأول من ذلك العام، وقالت إن الأطفال استُخدموا في مهام شملت القتال والاستطلاع وزرع الألغام والأجهزة المتفجرة والتجسس وأدوارًا أخرى. لكن الدقة تقتضي التأكيد أن هذا الرقم قدمته الحكومة اليمنية ولم تتحقق الأمم المتحدة بصورة مستقلة من جميع حالاته.
وفي التقرير نفسه، أفادت مصادر سرية للفريق بوجود 142 حالة متحققة لتجنيد واستخدام أطفال خلال الفترة من سبتمبر/أيلول 2023 حتى يوليو/تموز 2024 .
وعاد لف تجنيد الأطفال والزج بهم في الحرب بقوة في العام 2026 دون احصائيات شاملة ولكنه أصبح مؤكد .
هذه التفرقة ليست محاولة لتخفيف الاتهام عن الحوثيين. العكس صحيح. الملف الحقوقي يصبح أقوى عندما لا يحتاج إلى تضخيم الأرقام ولا إلى تحويل الادعاء إلى حقيقة قبل التحقق منه. يكفي ما ثبت.
الطفل ليس جنديًا احتياطيًا
القانون الدولي لا يعتبر الأطفال مخزونًا يمكن للجماعات المسلحة اللجوء إليه عندما تحتاج إلى مزيد من المقاتلين.
يحظر القانون الدولي الإنساني تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم في الأعمال العدائية، بينما توسعت منظومة حماية حقوق الطفل لتضع معايير أشد بالنسبة إلى إشراك من هم دون الثامنة عشرة في الجماعات المسلحة.
ويمكن أن يشكل تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية جريمة حرب عندما تتوافر عناصرها القانونية.
وهنا أيضًا يجب أن تكون اللغة حادة ودقيقة في آن واحد.
لا يحتاج الباحث الحقوقي إلى إعلان أن كل حالة تجنيد هي تلقائيًا «جريمة حرب». المسؤولية الجنائية الفردية تحتاج إلى إثبات العمر وطبيعة الاستخدام وعلاقة الفعل بالنزاع وهوية المسؤولين والقصد والعلم وسائر العناصر القانونية.
لكن هذا التحفظ القانوني لا يغير حقيقة أساسية: إدخال الطفل إلى الحرب انتهاك جسيم، ودفعه إلى القتال ليس بطولة ولا تربية عقائدية ولا تضحية مشروعة؛ إنه استغلال لطفولة شخص لا يفترض أن يكون أصلًا في ساحة القتال.
المدرسة ليست معسكرًا
لا تتوقف القضية عند الأطفال الذين يصلون إلى الجبهات.
فالخطر يبدأ حين تدخل العسكرة إلى المكان الذي يفترض أن يحمي الطفل منها.
الأمم المتحدة وثقت استخدامًا عسكريًا للمدارس والمستشفيات في اليمن، وهو نمط يضع الأطفال والمرضى والعاملين المدنيين في دائرة خطر إضافية. وتحويل مدرسة إلى موقع ذي وظيفة عسكرية لا يغير فقط طبيعة المبنى؛ إنه يضرب حق الطفل في التعليم ويهدد سلامته ويخلط عمدًا بين المساحة المدنية وفضاء الحرب.
ولا توجد قضية سياسية أو عسكرية تمنح أي جماعة حق تحويل المدرسة إلى امتداد للثكنة.
حكم السلاح والقمع
الصورة لا تكتمل إذا حُصر ملف الحوثيين في تجنيد الأطفال.
ففي المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وثقت منظمات حقوقية وتقارير دولية الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتضييق على الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجتمع المدني.
وبنهاية عام 2025، كانت هيومن رايتس ووتش تشير إلى احتجاز الحوثيين تعسفيًا 69 موظفًا تابعًا للأمم المتحدة إلى جانب عشرات العاملين في المجتمع المدني، بعد حملة اعتقالات توسعت منذ مايو/أيار 2024.
كما أشارت المنظمة إلى أن كثيرًا من المحتجزين حُرموا من التواصل مع أسرهم أو الوصول إلى محامين.
كما وثق فريق خبراء الأمم المتحدة في تقريره لعام 2025 اعتقالات لصحافيين، وأشار إلى حالات ظل فيها أشخاص بمعزل عن العالم الخارجي، في سياق ما وصفه بالتضييق على تدفق المعلومات والمعارضة. هذه ليست تفاصيل إدارية في منطقة حرب.
عندما تملك جماعة مسلحة جهازًا أمنيًا يستطيع انتزاع شخص من حياته وإخفاءه عن أسرته، وعندما يصبح الصحافي أو العامل الإنساني أو الموظف الأممي معرضًا للاعتقال بسبب عمله، فإننا نكون أمام سلطة قسرية يجب أن تُقاس بمدى احترامها لحقوق الناس، لا بما ترفعه من شعارات سياسية أو دينية.
يتبع…
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير