حذارِ… فالجَرفُ قادمٌ

إسرائيل وجّهت رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى لبنان تطالب بنزع سلاح حزب الله في كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها جبل الريحان وإقليم التفاح، وتطالب الجيش بالانتشار هناك وتفكيك البنية العسكرية للحزب، مع تحذير من تكرار سيناريو علي الطاهر، فيما تحدثت المصادر عن مطالب إسرائيلية بتنسيق عسكري مباشر مع الجيش اللبناني والحصول على لوائح بأسماء العناصر والضباط المشاركين في الانتشار...

خاص بوابة بيروت

عمليّة فجر اليمن مستمرّة حتّى تحرير كلّ شبر من الجمهوريّة اليمنيّة. أمس تحرّر هرمز من سيطرة إيران، واليوم بابا المندب من سيطرة عملائها. فالحدث الأبرز هو في الإقليم.

اليمن دخل اليوم مرحلة جديدة من التصعيد، مع إطلاق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عملية عسكرية واسعة لاستعادة المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، بالتزامن مع تقدم القوات الحكومية على الساحل الغربي واستعادة مواقع قرب مضيق باب المندب ومدينة المخا. ويأتي ذلك بعد توسّع الحوثيين أخيرًا على ساحل البحر الأحمر، بما عزّز قدرتهم على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

فهذا التطوّر يؤكّد من جديد أنّ المسار الميليشياوي قد انتهى في المنطقة ككلّ. ولا يمكن بعد اليوم القبول بازدواجيّة في الحكم في دول الشرق الوسط الجديد. فاليمن بحدّ ذاتها باتت كجنوب لبنان جزءًا مباشرًا من إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. ويبدو أنّ الرسالة التي قرأتها الحكومة اليمنيّة الشرعيّة بطريقة صحيحة، الحكومة اللبنانيّة لا تريد قراءتها بالشكّل نفسه، بل لا زالت تمارس دور النّعامة وتدفن رأس الوطن بأكمله معها في رمال المنطقة المتحرّكة.

وهكذا لم يبقَ أمام الحوثي سوى وسيلة ضغط واحدة من خلال زيادة الضغط الصاروخي والمسيّر على المملكة وطرق الملاحة العالميّة. وهذا ما سيفتح إمكانيّة تسعير الجبهات الموازية، ولا سيّما الجبهة اللبنانيّة، وسط الحديث عمّا أعلنته بيروت حول أن الجيش اللبناني سيبدأ تمرينًا عسكريًا مشتركًا مع بريطانيا، بمشاركة أفراد من الولايات المتحدة وإيطاليا ومراقبين من فرنسا وقبرص وقطر والأردن. ويحمل التمرين اسم Pegasus Cedar 2026، ويستمر ثلاثة أسابيع ويتضمن تدريبات على الاستطلاع والاقتحام والقتال في المناطق المبنية.

وهذا ما دفع أوساط في منظّمة حزب الله ومحورها إلى الرّيبة حول توقيت هكذا تمرين. هل هو محاكاة لعمليّات عسكريّة قد تقدم عليها القوّات الحكوميّة اللبنانيّة ضدّ المنظّمة غير الشرعيّة، بحسب تصنيفها طبعًا، للانتهاء من ملفّ نزع السلاح؟ وهذا الاختبار إن نجحت الحكومة اللبنانيّة بتنفيذه سيثبّت قدرتها على استعادة احتكارها للسلاح والقرار الأمني. وهذا ما قد يعتبر عامل أساسي في تحديد شكل المرحلة المقبلة.

وقد تكون مثل هذه التدريبات لضمان قدرة الجيش اللبناني على سدّ الفراغ الأمني المرتقب أن تتركه اليونيفيل بعد مغادرتها في آخر السنة.

وهذه الأحداث ستشكّل الجزء الأكبر من التحوّلات الأوسع التي ستشهدها المنطقة، حيث إنّها لم تعد مجرّد ملفّات أمنيّة مرتبطة بالسياسات الدّاخليّة لما كان يعرَف بدول المحور، بل أضحت البوّابة لولادة الدّول الجديدة التي لن تقوم على أيّ ازدواجيّة في الحكم.

ولم يعد خافيًا على أحد أنّ الولايات المتحدة تدفع باتجاه ترتيبات أمنية جديدة، والإقليم نفسه يدخل مرحلة أكثر تشابكًا بين إيران واليمن وإسرائيل. فيما تحاول الدّولة اللبنانيّة السعي نحو طريق جديد للتفاوض العسكري في تامبا في العشرين من القادم. ذلك كلّه والإسرائيلي مستمرّ بضرباته. وهذا ما رفع منسوب التخوّف اللبناني من أن تصبح هذه الجولة مجرد محطة لتمرير الوقت إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني. ليأتي الحسم الميداني بعد ذلك.

لا بل بدا لافتًا ما ورد عن لسان السفير الأميركي ميشال عيسى، بحسب ما نقلته صحيفة «المدن» في تقرير نشرته، من أنّ إسرائيل قد تشنّ غزوًا عسكريًا واسعًا يصل إلى بيروت إذا لم يُسلّم حزب الله سلاحه، وذلك في تحذير نقله عيسى إلى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب خلال لقاء جمعهما الشهر الماضي.

وبحسب «المدن» أيضًا، فإن إسرائيل وجّهت رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى لبنان تطالب بنزع سلاح حزب الله في كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها جبل الريحان وإقليم التفاح، وتطالب الجيش بالانتشار هناك وتفكيك البنية العسكرية للحزب، مع تحذير من تكرار سيناريو علي الطاهر، فيما تحدثت المصادر عن مطالب إسرائيلية بتنسيق عسكري مباشر مع الجيش والحصول على لوائح بأسماء العناصر والضباط المشاركين في الانتشار.

فيما برز حديث أيضًا عن إصابة ثمانية جنود إسرائيليين، السبت، في حادث اصطدام آليتين عسكريتين قرب ربّ ثلاثين في جنوب لبنان، بعد يوم من إصابة جنديين إسرائيليين بانفجار قنبلة خلال نشاط عسكري. ويأتي ذلك فيما لا تزال إسرائيل تحتفظ بوجود عسكري في أجزاء من الجنوب، رغم اتفاق الإطار الموقّع في 26 حزيران، في ظل ربطها الانسحاب بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها ونزع سلاح حزب الله.

ويبرز هنا أن المعادلة التي بدأت منذ 8 تشرين الأول 2023 لم تتغيّر: إسرائيل تربط أمن حدودها بسلاح حزب الله، فيما لا تزال الحكومة اللبنانية عاجزة عن حسم هذا الملف، وحزب الله متمسّكًا بالموقف نفسه الرافض لتسليم سلاحه للدولة. فيما اللحظة تفترض قراءة التغيّرات من بوابة الإقليم. إن لم تقدم الحكومة على التغيير، فهذا التغيير زاحف إليها بالقوّة. حذارِ هذه المرّة لن يكون هنالك أيّ حدود للجرف القادم.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك