حين يُباع العمر على «شباك».. نصف نهار في جحيم «ليبان بوست»!
إنّ الوقت ليس مجرّد أرقامٍ تُهدر على مقاعد بلاستيكيّة باردة؛ إنّه أجزاءٌ من أرواحنا تذوب ببطء أمام عجزٍ إداري واستخفافٍ بوجع الناس. فوقتُ الأهل أثمن من أن يُذبح على عتبات الاستهتار، وكرامتُهم أعلى من أن تقف في طوابير الذلّ المقنّع...
خاص بوابة بيروت
أيّ جرحٍ هذا الذي يتّسع في صدر الأيام، وأيّ سخريةٍ سوداء تلك التي تقود خُطى الأهل إلى «ليبان بوست» أو أروقة الدوائر، ظنًّا منهم أنّهم يهربون من سياط الإدارات الرسمية، فإذا بهم يقعون في الأسر نفسه، بل أشدّ وأمرّ!
نأتي هربًا من روتين الدولة المتهالك، باحثين عن بصيص عُرفٍ إداري يحترم آدميّتنا، فإذا بنا نرتطم بصخرة الواقع؛ حيث تتحوّل أبسط المهام — كدفع رسوم الجامعة للأولاد — إلى «ملحمة صمت» تمتدّ لخمس أو ستّ ساعات من الانتظار المُضني. تخيّلوا المشهد بعين القلب: أبٌ أو أمٌّ أنهكهما ثقل الحياة وغلاء المعيشة، يقفان ساعاتٍ طوالًا على أطراف أصابعهما، لا لشيءٍ إلّا لتسليم ورقة أو ختم إيصال! كأنّما طُلب من اللبناني أن يدفع ثمن مستقبل ابنه الجامعي من رصيد عمره وعصبه وصحّته.
يا للوجع! ألا يُبصرون هؤلاء؟ أيعجزون حقًّا عن زيادة عدد الموظفين، أو فتح نوافذ تليق بكرامة البشر، أم إنّهم يتعمّدون تقطير الوقت كمن يسقي الناس صبرًا مُرًّا؟ تقف الأم هناك، ودموعٌ خفيّة تترقرق في عينيها وهي تعدّ الساعات، تفكّر في ولدها الذي ينتظر بفارغ الصبر أن تُسدَّد رسومه ليجلس على مقاعد الدراسة، بينما تقضي هي نصف نهارها رهينةً لشباكٍ واحد يتنفّس بطئًا وقسوة!
إنّ الوقت ليس مجرّد أرقامٍ تُهدر على مقاعد بلاستيكيّة باردة؛ إنّه أجزاءٌ من أرواحنا تذوب ببطء أمام عجزٍ إداري واستخفافٍ بوجع الناس. فوقتُ الأهل أثمن من أن يُذبح على عتبات الاستهتار، وكرامتُهم أعلى من أن تقف في طوابير الذلّ المقنّع.
صرختنا ليست ترفًا، بل هي نزفٌ حقيقي: أعيدوا للناس وقتهم، واحترموا تعبهم، فكفى بالوطن أنّاتٍ، وكفى بالقلوب كسرًا!
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير