خاص بوابة بيروت
ليس الاعتراض على أداء العهد والحكومة ترفًا سياسيًا، ولا التشكيك في مسار الإصلاح محاولةً لإحباط اللبنانيين الذين راهنوا على مرحلة جديدة. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أي مدى تستطيع الدولة اللبنانية ترجمة قراراتها إلى وقائع، وفرض سلطتها على الجميع، ومحاسبة المسؤولين، واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين؟ فهل تكمن المشكلة في بطء تنفيذ القرارات، أم في وجود توازنات سياسية ومؤسساتية تحدّ من قدرة السلطة على تنفيذها أصلًا؟
السيادة بين القرارات المعلنة والوقائع الميدانية
بعد سنوات طويلة من الانهيار والصراعات، انتظر اللبنانيون أن تشكّل القرارات المتعلقة ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح نقطة تحوّل فعلية. لكنّ المعيار الأساسي لنجاح هذه القرارات لا يكمن في إعلانها، بل في ترجمتها إلى إجراءات واضحة وقابلة للقياس.
وهنا يبرز السؤال: ما الذي تحقّق عمليًا على مستوى حصرية السلاح بيد الدولة؟ وما هي الخطوات التي اتخذها الجيش اللبناني لتطبيق القرارات ذات الصلة؟ وأين تبدأ حدود قدرته التنفيذية، وأين تنتهي حدود القرار السياسي؟
إنّ تقييم أداء الجيش لا يجوز أن ينفصل عن طبيعة المهمة الموكلة إليه، والإمكانات المتاحة له، والغطاء السياسي الذي يحظى به. وفي المقابل، لا يمكن أن تتحوّل هذه الاعتبارات إلى مبرّر دائم لتأجيل استحقاق سيادي يفترض أن يشكّل أساس قيام الدولة. أسئلة لا تستدعي اتهام أحد، بقدر ما تستدعي إجابات مؤسساتية واضحة:
- إذا كانت السلطة قد اتخذت قرارات واضحة، فما الجدول الزمني لتنفيذها؟
- وإذا كانت تواجه عقبات، فلماذا لا تُعرض هذه العقبات على الرأي العام بشفافية؟
- وهل تمتلك المؤسسات المعنية حرية الحركة الكاملة؟
- أم أنّ هناك اعتبارات سياسية وأمنية ترسم حدود ما يمكن تنفيذه؟
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما تتداخل العلاقة بين الدولة وحزب الله في ملفات أمنية حساسة. فعندما تُثار قضية شحنة متفجرات أو مواد خطرة، ثم يُتداول أنّ جهة حزبية أعلنت ارتباط السيارة أو حمولتها بها، تصبح المسألة أكبر من حادثة أمنية منفردة. إذ يبرز السؤال عن المرجعية التي تحدّد طبيعة هذه الأنشطة، والجهة المخوّلة التحقيق فيها، ومدى خضوع جميع الأطراف للقواعد القانونية نفسها.
فإذا كانت هذه الآليات قائمة، فما مضمونها؟ ومن يراقب تطبيقها؟ وهل تقوم على صلاحيات قانونية واضحة، أم على تفاهمات سياسية تتيح لكل طرف تفسيرها وفق مصالحه؟
إنّ الدولة التي تسعى إلى استعادة هيبتها لا يكفيها أن تتفاهم مع القوى النافذة؛ بل عليها أن تضمن أنّ التفاهمات نفسها لا تتحوّل إلى بديل عن القانون.
التفاوض: مسار سيادي أم تسوية مفتوحة؟
لا تقلّ التساؤلات المرتبطة بالتفاوض أهميةً عن تلك المتصلة بالسيادة الميدانية. فقد شكّلت المفاوضات، بالنسبة إلى مؤيديها، فرصة لتجنّب الحرب وتثبيت الاستقرار وإعادة الاعتبار للدولة بوصفها الجهة المسؤولة عن إدارة العلاقات الخارجية والملفات الأمنية.
لكنّ نجاح هذا المسار لا يُقاس بمجرد انعقاد الاجتماعات أو صدور البيانات، بل بقدرته على إنتاج نتائج ملموسة.
- فهل تسير المفاوضات وفق أهداف واضحة ومراحل محددة؟
- وهل ترتبط بنتائج قابلة للتحقق على الأرض؟
- وما مصير المبادرات أو المناطق التجريبية التي يُفترض أن تشكّل نموذجًا لتوسيع حضور الدولة وتعزيز دور الجيش؟
- وإذا تعثّرت هذه الخطوات، فهل يعود السبب إلى نقص الإمكانات، أم إلى غياب التوافق السياسي، أم إلى عدم استعداد الأطراف المعنية للالتزام الكامل بما جرى الاتفاق عليه؟
حذارِ أن يتحوّل التفاوض من أداة لتحقيق السيادة إلى عملية مفتوحة تُدار فيها الخلافات من دون حسم الملفات الأساسية.
القضاء والإدارة: هل تسير المؤسسات وفق القانون؟
لا تكتمل السيادة بفرض الأمن وحده، بل تحتاج إلى قضاء مستقل وإدارة عامة تعمل وفق معايير موحدة. ومن هنا، تكتسب الملفات القضائية والإدارية التي تثير جدلًا عامًا أهمية تتجاوز أصحابها المباشرين.
فعندما تُثار قضية تتعلق بشكوى ضد دبلوماسية لبنانية تتصل باتهامات خطيرة، من بينها التخابر مع إسرائيل، يصبح السؤال الأول عن المسار القانوني الذي سلكته القضية، والمرجع القضائي المختص، وطبيعة الأدلة والإجراءات المتخذة. ولا يجوز التعامل مع الاتهام بوصفه إدانة مسبقة، كما لا يجوز إهمال حق الرأي العام في معرفة ما يمكن إعلانه قانونًا عن قضية بهذا الحجم.
كما لا يمكن التطاول على القضاء من قبل ميليشيا إرهابيّة محظورة من الحكومة الشرعيّة، والمجاهرة بتهريب السلاح على أنف هذه الدّولة، ولا بل المطالبة باسترجاع هذا السلاح المصادر، وأن تبقى الحكومة بمؤسساتها التنفيذيّة من دون الإقدام على أيّ فعل قانوني ودستوريّ وشرعي بوجه ما هو غير قانوني وغير دستوري وغير شرعي بحسب تصنيفها في قرار 2 آذار 2025.
المطلوب، إذًا، ليس التشكيك بالقضاء، بل ضمان استقلاليته ووضوح اختصاصاته، وتجنّب أي انطباع بأنّ المعايير تختلف باختلاف المواقع السياسية أو الإدارية للأشخاص المعنيين.
إنّ الإصلاح لا يُقاس بالشعارات التي ترفعها الحكومة، بل بمدى استعدادها لتطبيق المعايير نفسها على الحلفاء والخصوم، وعلى أصحاب النفوذ والمواطنين العاديين. فالمؤسسة العامة لا تستعيد ثقة الناس عبر تبديل الأسماء وحده، بل من خلال قواعد واضحة ومساءلة فعلية. فهل يجرؤ بعض النوّاب على التقدّم باقتراح قانون لإلغاء القانون الذي يتمّ بواسطته ملاحقة اللبنانيين؟
الدولة والقدرة على القرار
لا يمكن بعد اليوم الرّكون إلى المقولة السابقة التي كانت سائدة في زمن الشهيد رفيق الحريري : “:البلد ماشي، ولا يهمّك.” وذلك لأنّ البلد ” مش ماشي” ويجب أنّ يكون ذلك من صلب اهتمامات اللبنانيين كلّهم. والرهان على قيام الدولة لا يعني منحها تفويضًا مفتوحًا، بل إخضاعها للمساءلة.
والتجارب التاريخية في لبنان والمنطقة تؤكد أنّ الأزمات لا تُحلّ بمجرد تغيير الحكومات أو تبديل الخطاب. فالدول التي نجحت في تجاوز مراحل الانهيار احتاجت إلى إعادة بناء مؤسساتها، وتوحيد المرجعيات الأمنية، وإرساء قواعد مستقرة للمحاسبة، وربط الإنفاق العام بنتائج ملموسة. أمّا الدول التي أبقت الإصلاح رهينة التفاهمات المؤقتة، فقد وجدت نفسها تعيد إنتاج الأزمات بأسماء جديدة.
ولبنان اليوم أمام اختبار من هذا النوع. فإما أن تتحول القرارات السيادية والإصلاحية إلى مسار تنفيذي واضح، أي بمعنى آخر، أن تستعيد الدّولة قدرتها التنفيذيّة لتصبح في واقع حقيقي ” البلد ماشي”؛ وإما أن تبقى معلّقة بين الاعتبارات السياسية والحسابات الأمنية والمصالح المتشابكة، وانتظار التسويات الكبرى. وعندها لن ينفع البكاء وصريف الأسنان.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير