
كاتب ومحلل سياسي
خاص بوابة بيروت
لم يَعُدْ مضيقُ هرمزَ مجرَّدَ إحداثيَّاتٍ ملاحيَّةٍ على خارطةِ التجارةِ بل تحوَّلَ إلى مِقصلةٍ جيوسياسيَّةٍ تُذبحُ فوقها نصوصُ اتفاقيَّةِ الأممِ المتحدةِ لقانونِ البحارِ لعامِ ألفٍ وتسعمئةٍ واثنين وثمانينَ في هذا الممرِّ الذي يضخُّ نحوَ واحدٍ وعشرينَ مليونَ برميلِ نفطٍ يوميًّا تسقطُ الأقنعةُ عن نظامٍ دوليٍّ باتَ أعجزَ من حمايةِ حقِّ المرورِ العابرِ لتسودَ لغةٌ واحدةٌ لا تعترفُ بالمواثيقِ منطقُ القوَّةِ العاريةِ.
أولًا، المناورةُ الباريسيَّةُ دبلوماسيَّةُ الانكسارِ خلفَ قناعِ التهدئةِ
تمارسُ فرنسا ما يمكنُ وصفُهُ بالانبطاحِ الاستراتيجيِّ فبينما يروِّجُ الإليزيهُ لمبادراتِ خفضِ التصعيدِ وتوازنِ القوى يقرأُ الخصومُ هذا التردُّدَ كهشاشةٍ استراتيجيَّةٍ باريسُ المطرودةُ من عمقِها الأفريقيِّ تحاولُ شراءَ هدوءٍ وهميٍّ في الشرقِ الأوسطِ عبرَ سياسةٍ رماديَّةٍ لم تعدْ تجلبُ سوى الهوانِ إنَّ الرهانَ الفرنسيَّ على المنطقةِ الرماديَّةِ مع طهرانَ ليس حكمةً بل هو ضوءٌ أخضرُ لمن يتقنُ سياسةَ فرضِ الأمرِ الواقعِ بالحديدِ والنارِ.
ثانيًا أنيابُ طهرانَ حينَ يغيبُ الردعُ يحضرُ الابتزازُ.
عندما صرَّحَ قائدُ القوَّةِ البحريَّةِ للحرسِ الثوريِّ علي رضا تنكسيري بأنَّ إيرانَ قادرةٌ على إغلاقِ المضيقِ إذا أرادت لم يكن ذلك مجرَّدَ دعايةٍ بل كان نعيًا رسميًّا للمادَّةِ ثمانيةٍ وثلاثينَ من معاهدةِ جامايكا إنَّ بلطجةَ المضائقِ التي تمارسُها طهرانُ وآخرُها القرصنةُ الممنهجةُ للسفنِ والناقلاتِ تُثبتُ حقيقةً عاريةً القانونُ الدوليُّ بلا أنيابٍ هو مجرَّدُ حبرٍ باهتٍ فالمضائقُ الدوليَّةُ في العرفِ الميدانيِّ الإيرانيِّ باتت أداةَ رهينةٍ لابتزازِ العواصمِ الكبرى في ظلِّ غيابِ ردعٍ فعليٍّ يعيدُ تعريفَ الخطوطِ الحمراءِ.
ثالثًا، الإماراتُ خطُّ الدفاعِ الأولُ في مواجهةِ الخطيئةِ العربيَّةِ
تقفُ دولةُ الإماراتِ العربيَّةِ المتحدةِ اليوم كحائطِ صدٍّ في وجهِ محاولاتِ تحويلِ الخليجِ إلى بحيرةِ نفوذٍ مغلقةٍ إنَّ تركَ أبوظبي تتحمَّلُ العبءَ الأوحدَ في تأمينِ استقرارِ الملاحةِ الدوليَّةِ هو خطيئةٌ استراتيجيَّةٌ كبرى فالتفتُّتُ العربيُّ في ملفِّ أمنِ الممرَّاتِ هو الثغرةُ التي يتنفَّسُ منها مشروعُ الهيمنةِ التماسكُ الخليجيُّ اليوم ليس ترفًا بل هو بروتوكولُ بقاءٍ لأنَّ سقوطَ أمنِ الماءِ يعني تلقائيًّا سقوطَ أمنِ الدولةِ.
رابعًا، خريفُ القارَّةِ العجوزِ وانفصامُ بروكسلَ
يعاني الاتحادُ الأوروبيُّ من حالةِ شللٍ إراديٍّ فهو يريدُ حمايةَ مصالحِه الاقتصاديَّةِ وتأمينَ تدفُّقاتِ الطاقةِ دونَ دفعِ كلفةِ الحسمِ هذا التناقضُ جعلَ من القوى الاستعماريَّةِ السابقةِ مجرَّدَ مراقبٍ عاجزٍ خلفَ بعثاتٍ هزيلةٍ مثل إيماسو التاريخُ يعلِّمُنا أنَّ سياسةَ شراءِ الوقتِ في بيئةٍ متفجِّرةٍ لا تؤدِّي إلا لتضخُّمِ التهديدِ وما تراهُ بروكسلُ حرصًا يراهُ الإقليمُ عجزًا هيكليًّا يعجِّلُ بالانفجارِ الكبيرِ.
خامسًا، فخُّ التوقُّعاتِ وهمُ التهذيبِ عبرَ الداخلِ
من السذاجةِ الرهانُ على أنَّ الضغوطَ الاقتصاديَّةَ داخلَ إيرانَ ستؤدِّي آليًّا إلى تهذيبِ سلوكِها الخارجيِّ الأنظمةُ الأيديولوجيَّةُ حينَ تُحاصَرُ تميلُ إلى تصديرِ الأزمةِ كآليَّةِ بقاءٍ دفاعيَّةٍ لذا فإنَّ بناءَ الاستراتيجيَّاتِ على احتمالاتِ التغييرِ من الداخلِ هو نوعٌ من المقامرةِ التي قد تفتحُ أبوابَ الجحيمِ على المنطقةِ بأكملِها قبلَ أن يتغيَّرَ سلوكُ النظامِ في طهرانَ.
أخيرًا، الفراغُ لا يقبلُ القسمةَ
مضيقُ هرمزَ هو الترمومترُ الحقيقيُّ لصحَّةِ النظامِ العالميِّ فإمَّا أن يستعيدَ القانونُ هيبتَهُ عبرَ آليَّاتِ ردعٍ صلبةٍ أو نُعلنَ رسميًّا دخولَ عصرِ غابةِ الجيوبوليتيكِ.
إنَّ إعادةَ التوازنِ تتطلَّبُ ثلاثيَّةً حتميَّةً ردعًا دوليًّا صارمًا وتماسكًا عربيًّا حديديًّا ونبذًا كاملًا للحيادِ الرماديِّ ففي صراعِ الإراداتِ الكبرى إذا لم تملأِ الشرعيَّةُ الفراغَ ستملؤهُ البلطجةُ حتمًا.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير