مصائب قوم على قوم.. مظالمُ

انشغال الإعلام اللبناني فرصة لسوريا

خاص بوابة بيروت

الفوائد غالباً مؤقتة، والمظالم هي اللي تبقى وتتوارثها الأجيال.

المنطقة العربية لا تعمل بقانون “اللعبة الصفرية” فقط، بل بقانون أقسـى: ما ينهار عند طرف، يُبنى على أنقاضه نفوذ عند طرف آخر.

أوضح مثال حي الآن هو العلاقة المتقاطعة بين لبنان وسوريا.

 

انشغال لبنان.. تنفس لسوريا

منذ 8 أكتوبر 2023 ودخول جبهة الجنوب على خط المواجهة “اسنادا”، دخل لبنان في معادلة استنزاف مزدوجة:

أولاً، استنزاف عسكري واقتصادي مباشر بسبب القصف والاشتباكات ونزوح عشرات الآلاف من قرى الجنوب.

ثانياً، استنزاف سياسي داخلي فكل فصيل لبناني صار يرى في الحرب ورقة لتعزيز موقفه الداخلي.

النتيجة الطبيعية إن لبنان رسمياً وشعبياً صار مشغولاً بنفسه.

الحكومة بالكاد تدير الكهرباء والرواتب، البرلمان ديكور لطيف، والشأن السوري تراجع من صدارة الأولويات إلى هامش التصريحات.

وهنا بدأ “الربح” السوري ولو متأخرا على حساب الصورة
فدمشق التي كانت تحت ضغط دبلوماسي وأمني من لبنان منذ 2011، وجدت فجأة أن حدودها الغربية صارت أقل إزعاجاً. لا مبادرات لبنانية جديدة لترسيم الحدود، لا ملف لاجئين يُفتح بقوة في المحافل الدولية، ولا منابر لبنانية تضغط على ملف المعتقلين السوريين كما كان يحصل 2018-2022.

بكلمات اكثر وضوحا : مصيبة لبنان الجنوبي صارت “نافذة تنفس” استراتيجية لدمشق.

 

بداية ظهور إعلام سوري يحمل هم البلد والإنماء

التغيّر الثاني الأقل ضجيجاً لكنه أهم على المدى الطويل هو ما يحدث في الإعلام السوري نفسه، ولكن قبل هذا كيف كان المشهد؟

  •  إعلام رسمي خطابه دفاعي وتبريري و كاذب بطبيعة الحال.
  •  إعلام معارض مقره الخارج، خطابه هجومي وغالباً منفصل عن الواقع اليومي داخل سوريا و جل اهتمامه بالفصيل الداعم له و قد سيتغير ولاءه الاعلامي لاحقا بحكم العادة.
  • إعلام دولي يغطي سوريا كـ”قصة حرب” و قصة مأساوية لشعب مقهور يرى الأوروبي بعض افراده بشوارع مدنه فكان مادة اعلامية جيدة للتسويق..لا كبلد له اقتصاد ومجتمع و حياة حرم عيشها بكرامة.

 

لكن منذ سقوط نظام “الهارب” بدأ يظهر نوع رابع: إعلام محلي سوري يركّز على الإنماء، الخدمات، الزراعة، المشاريع الصغيرة، مشاكل الكهرباء والمياه. قنوات يوتيوب محلية، صفحات فيسبوك، حتى إذاعات محلية صارت تتكلم بلغة “كيف نصلح” لا “من المذنب”.

لعل السبب تراجع التمويل الخارجي للمعارضة الإعلامية، ومع انشغال لبنان، صار الفراغ يملؤه صوت من الداخل. الناس تعبت من خطاب الحرب، وتبغى خطاب إعادة الإعمار حتى لو كان بطيئاً.

قل التشويش و التشغيب.. فتكلم أصحاب الدار

الظاهرة الثالثة مرتبطة بالثانية فكلما قلّ عدد المنابر الخارجية التي تتكلم “عن” السوريين، زاد عدد السوريين الذين يتكلمون “لأنفسهم”.

لماذا؟ لأن الخطاب الخارجي، حتى لو كان متعاطفاً، يختزل سوريا في قضية واحدة: لاجئون، كيماوي، عقوبات. هذا الاختزال يلغي التعقيد ويجعل المواطن السوري متفرجاً على قضيته.

وهنا تكمن المفارقة: مصيبة لبنان وانشغال العالم بحروب أخرى، أوجدت مساحة لسوريا أن تتكلم بصوت أهدأ وأكثر واقعية. صوت لا ينتظر موافقة واشنطن أو طهران أو أنقرة سياسيا او استوديوهات بيروت و جبل لبنان تقنيا..

 أين المظالم؟
هذه الفوائد ليست مجانية.
لبنان يدفع ثمن انشغاله دماراً ونزوحاً وانهياراً للثقة بين مكوناته.

سوريا تستفيد من الهدوء المؤقت، لكنها ما زالت بدون حل سياسي ولا ضمانات اقتصادية.
والمواطن السوري العادي يكتشف أن “الحديث عن المشاكل” شيء، و”حلها” شيء آخر تماماً.

سلبية الإعلام اللبناني الذي ظهرت بفوقية و تعالي على السوريين لاجئين و فصائل أحسبها مبررة لاختلاف الثقافة بين البلدين نسبيا ولكن انتهاج الكذب و عدم قبول الحقيقة كان الأمر المعيب و الدفاع عن رواية الحزب كما هي دون تفنيد خوفا من تهديدات محتملة ربما و تماهي هذا الأمر مع المسيطر حينها على سوريا “حزب الله”.

كل هذا جعل القوالب التي تصدر من لبنان سواءا عبر قنوات تلفزيونية، نشرات اخبار، برامج حوارية و ختاما مع الطامة الكبرى “البودكاست” تحترف الروايات التي تأتي بالجمهور الذي يتحسس من “اللحية الفاتحة لبلاد الشام” لا حس المسؤولية تجاه جارة تبني نفسها و خرجت من اقتتال مؤلم طيلة سنوات الثورة، وعليه ارتفع سقف الكذب و التلفيق و تلوين الأخبار بما يرضي فلول النظام “ذهنيا” و ضحايا الكذب الممنهج منذ 2014 تحديدا.

 

  •  راهبات معلولا..
  •  أسرى الجيش اللبناني لدى داعش..
  • أسرى قوى الأمن عند جبهة النصرة..
  •  الباصات الخضراء التي ارسلت لداعش لترجع الى الحدود العراقية – السورية..
  • دور أهل البقاع اللبناني طيلة الأزمة السورية..

كل ما سبق من احداث و غيرها كثير -ولكن احسب انها الأبرز- و رغم توفر فيديوهات وافية و شهادات تؤكد الرواية الحقيقية إلا ان أدعياء الحرية النسبية في لبنان أصروا على الكذب..

 

ما يحصل الآن هو إعادة ترتيب للأدوار بالإكراه. لبنان منشغل فتتنفس سوريا.. الإعلام الخارجي يتعب فتتكلم المنابر المحلية. لكن هذا الترتيب هش لأنه لا يقوم على مشروع جماعي، بل على فراغات مؤقتة.

 

نظرة سريعة على الضيوف السوريين في هذه اللقاءات التي تجرى في لبنان، الأغلب ضد الحكم الجديد، غالب الروايات كذب و تظهر مظلومية الأقليات، محاكاة الروايات دائما لظلم المرأة السورية من الأقليات دوما و اكراهها على الزواج من “سني” “سلفي” “ادلبي”

والمضحك ان هذه الروايات اضحت غير متابعة او مصدقة بعد تكرارها بكثرة و نقضها بالحقيقة على لسان أصحاب العلاقة دوما..

ما نراه في الأوساط الاعلامية اللبنانية تجاه سوريا الجديدة لن يتغير بسهولة هذا نهج و طبع و مخرجات اللاأخلاق بالمقام الأول.

عرف اللبناني يا سادة بـ”فاكهة الإعلام العربي” سابقا، تغيرت النظرة إليه و إلى بلده فأضحى يبحث عن قوالب تتماشى مع الجدية التي تحيط به فإعلام “اللقمة الطيبة” و”الثلج و التزلج” و “اتيكيت شرب الشاي” يقل وهجه في زمن الحروب ولو بقي رواده فهذا لا يلغي ذاك.

و كما أفل نجم “الهارب” إلا من طيف صوره و روايات عتهه نرى الآن ان من تصدر الشاشات بعد سقوط نظامه من ممثلين و محللين و اصحاب تجارب مجتمعية ممن احترفوا الكذب و ترويج رواياتهم قد اختفوا و اضحوا معدودين في وقت قصير نسبيا ولعل هذا يعود الى كثرة الحسابات التي تشبع اي موضوع من زواياه المختلفة و بالتالي وصولها الى المشاهد بأكثر من وسيلة و عليه يتم تبني الرواية.

اختم بهذه المشاهدة

في إحدى حلقات -بودكاست لبناني- متابع بشكل جيد، اقترح الضيف “اللبناني” في ختام استضافته ان يستضاف محللون و مأرخون سوريون لباعهم الطويل في تخصصاتهم ، يومها ظهر امتعاض مقدم الحلقة و تجاوزه لما طرح الضيف بابتسامة مجاملة و شكر الضيف على حضوره..

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك