حسن خالد و صبحي الصالح و رفيق الحريري : مشروع وطن اغتيل مرارًا

خاص بوابة بيروت

في مثل هذا اليوم، السادس عشر من أيار 1989، انفجرت سيارةٌ مفخخةٌ قرب دار الفتوى في بيروت. لم تستهدف سيارةً عابرةً، بل استهدفت رجلًا كان يقول كلمة الحق في زمن الخوف، ويدفع ثمنها بصمت الكبار.

استُشهد المفتي الشيخ حسن خالد رحمه الله، ومعه ستة عشر بريئًا، في واحدةٍ من أكثر الجرائم إيلامًا في تاريخ لبنان الحديث. لم يكن رجلًا عاديًّا، ولا رجل تسويات، بل كان صوتًا وطنيًّا عربيًّا رفض الخضوع للوصاية، وتمسّك بلبنان الدولة والسيادة والعيش المشترك.
قبله، اغتيل الشيخ الدكتور صبحي الصالح، المفكر والعالم الذي واجه بالكلمة مشروع السلاح والخوف. وبعده بسنوات، اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الرجل الذي حمل مشروع إعادة بناء الدولة وربط لبنان بعمقه العربي والعالمي.

ثلاثة رجال. ثلاث محطاتٍ داميةٍ. ومشروعٌ واحدٌ كان يُستهدف في كل مرة، لبنان السيد الحر، القادر على اتخاذ قراره بنفسه.

المفتي حسن خالد لم يُرد أن يكون رجل سلطة، بل رجل حق. وصبحي الصالح لم يساوم على الكلمة الحرة. ورفيق الحريري لم يقبل أن يكون لبنان تابعًا أو ساحةً لصراعات الآخرين.

واليوم، بعد كل هذه السنوات، نسأل أنفسنا، هل انتهت الوصاية فعلًا؟ أم تبدّلت أشكالها فقط؟

لقد خرج الجيش السوري من لبنان عام 2005، لكن اللبنانيين ما زالوا يعيشون أزمة دولةٍ مُصادَرة القرار، وجيشٍ مُقيّد الدور، ومؤسساتٍ تُعطَّل كلما اقتربت من السيادة الحقيقية. وما زال اللبناني يدفع وحده ثمن الحروب والانهيارات والانقسامات، فيما القرار الوطني موزّع بين النفوذ والسلاح والتسويات الخارجية.

هؤلاء الشهداء كانوا رجالاتنا. هؤلاء هم الذين يحق لنا أن ننتسب إليهم. فأين نحن منهم اليوم؟

أيها الرجال… أم أنكم لا تزالون رجالًا؟

يا أهل السنة في لبنان، لستم طائفةً تشكو وتستعطف. أنتم أصحاب مشروعٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ دفعتم ثمنه من دماء خيار رجالكم.

أنتم أبناء بيروت حين كانت بيروت تعني شيئًا للعرب والعالم. أنتم من آمن بلبنان وطنًا نهائيًّا حين كان غيركم يرهنونه لكل وصايةٍ أتت من الخارج.

لا يليق بكم أن تكونوا تابعين. لا يليق بكم أن تتسوّلوا دورًا في وطنٍ هو في جوهره دوركم. لا يليق بأبناء حسن خالد وصبحي الصالح ورفيق الحريري أن يركعوا لمن لا يستحق حتى أن يمشي في ظلالهم.

أعرف فيكم رجالًا. رأيتهم في عيون الأمهات اللواتي ربّين أبناءهن على العزة. رأيتهم في الشيوخ الذين صمدوا حين كان الصمود تهمة. رأيتهم في صوت كل من قال الحق في زمن الباطل المسلح.

ورأيتهم في أبناء السنة المحبوسين خلف القضبان، الذين لُفِّقت لهم الملفات، وأُطيل احتجازهم بلا تهمٍ واضحةٍ ولا محاكماتٍ عادلةٍ، وحين جاء الحديث عن العفو العام أُقفل الباب في وجوههم دون سواهم.

هؤلاء لم يُكسروا، ولم يُساوموا، ولم يبيعوا موقفهم بباب سجنٍ مفتوح. هذه أيضًا رجولة. بل ربما هي أصعب أنواع الرجولة.

لكنني أرى أيضًا من لا يستحق صفة رجل، أرى من يبيع صوته بوعد وظيفة. أرى من يسكت على الظلم لأن الظالم يدفع راتبه. أرى من يتبع الأقوى لا الأصح. أرى من جعل من نفسه ذيلًا يتحرك كلما أرادوا له أن يتحرك.

وهذه ليست رجولة. هذه وصايةٌ مقبولةٌ بطوع الإرادة. وهذه مصيبةٌ أشد علينا من كل رصاص أعدائنا.

كونوا رجالًا. ليس بالكلام. ليس بالشعارات. ليس بذكر الشهداء في يوم الذكرى ثم الخيانة في يوم الموقف.

كونوا رجالًا بأن تقولوا “لا” حين يجب أن تقولوا “لا”. كونوا رجالًا بأن تحاسبوا من يدّعي تمثيلكم قبل أن تحاسبوا أعداءكم. كونوا رجالًا بأن يكون ولاؤكم الأول والأخير لهذا الوطن، لا لصاحب الصورة الأكبر على الحائط. وكونوا رجالًا بألّا تنسوا إخوانكم خلف القضبان، فإن نسيانهم خيانةٌ لهم وخيانةٌ لأنفسكم.

المفتي حسن خالد لم يمت لنبقى صغارًا أمام من قتله. مات لأنه كان أكبر منهم. فكونوا أكبر منهم.

رحم الله شهداء لبنان، ورحم الله الشهيد المفتي حسن خالد.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك