لبنان على مفترق التفاوض

قراءة في عهدي أمين الجميّل وجوزاف عون

خاص بوابة بيروت

لبنان اليوم يعيد إنتاج نفس الأسئلة التي رافقته منذ الاستقلال: كيف يفاوض جاره الأقوى؟ وكيف يوازن بين الداخل المنقسم والتدخلات الخارجية؟ تاريخ المفاوضات مع سوريا، ومقارنة تجربتي أمين الجميّل وجوزاف عون، وصورة الداخل اللبناني، وتدخلات العرب وأوروبا وأمريكا، كلها تشرح لماذا تبدو بيروت دائماً واقفة بين الانهيار والنجاة.

العلاقة بين دمشق وبيروت لم تكن يوماً علاقة جوار عادية

منذ الانتداب الفرنسي، فصلت باريس لبنان عن سوريا الطبيعية لتوجد كياناً على الساحل الشرقي للمتوسط. وحتى بعد الاستقلال عام 1943 للبنان و1946 لسوريا، بقيت بنية اقتصادية مشتركة وعملة واحدة حتى منتصف الخمسينيات.

المحطة الفاصلة كانت الحرب الأهلية اللبنانية

استثمر حافظ الأسد السيطرة العسكرية والأمنية في لبنان لتحسين أوراقه التفاوضية في مسار السلام العربي-الإسرائيلي. ابتدع مفهوم “تلازم المسارين” الذي ربط أي تفاوض لبناني-إسرائيلي بتفاوض سوري-إسرائيلي، فعطّل الدبلوماسية اللبنانية المستقلة.

بعد سقوط نظام البعث في سوريا، أصبحت التركة الثقيلة بعد الوصاية والاتهامات المتبادلة تجعل أي تفاوض هشاً، ويُعوَّل على حكمة الإدارة السورية الجديدة أكثر من التعويل على أي مخرج من حكومة “سلام” تبحث عن أي مخرج لم تضع الدولة العميقة قفلاً دون مفتاح عليه.

أمين الجميّل وجوزاف عون: تشابه المهمة واختلاف السياق

المقارنة بين الرئيسين تتكرر في الإعلام اللبناني بشكل منقوص، وتربط الأمر بحال الرجلين والوضع الإقليمي حينها، وتغفل كثيراً من الاختلافات الإقليمية المؤثرة حقيقةً في مسارات الأحداث، وهو ما يختلف كلياً بين العهدين.

أمين الجميّل 1982-1988: تولى الرئاسة بعد اغتيال بشير الجميّل في ذروة الاجتياح الإسرائيلي. كان موالياً للغرب والولايات المتحدة، ووقّع اتفاق 17 أيار 1983 مع إسرائيل تحت ضغط عسكري وسياسي، مما عمّق الانقسام الطائفي وفجّر معارضة سورية وداخلية.

شهدت فترته مجزرة صبرا وشاتيلا وتشكيل جيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل. انتهى عهده بفراغ دستوري وحرب داخلية، ولم ينته الشرخ إلا باتفاق الطائف 1989.

حال جوزاف عون مختلف، كما أن طريقة وصوله مختلفة
فقد وصل الرجل بعد سنتين من الفراغ الرئاسي، قادماً من قيادة الجيش ويُنظر إليه كرجل توازن مدعوم دولياً.

لكن سياقه يبقى مختلفاً لأسباب أبرزها أنه لا توجد قوات إسرائيلية تحتل بيروت، فدبلوماسية مقام الرئاسة مختلفة وإن كانت هشة على الأرض، والضغط الآن يدور حول تطبيق القرار 1701 ونزع سلاح حزب الله.

وهنا المفارقة، فإسرائيل التي عُرفت باحترافها أساليب المراوغة والطبطبة والغدر هي نفسها التي تؤجل فتح الجبهات ولو على الصعيد الدبلوماسي مع لبنان.

موافقة إسرائيل على اسم عون لطرحه بعد فراغ السنتين ليست بريئة ولن تكون. فلعلها قالت للأمريكان بفوقيتها المعتادة: لا مشكلة لدى إسرائيل بـ جوزاف عون بشرط أن يمارس ما أتقنه في حياته العسكرية من تنفيذ أوامر.. فلا تحرجوا الرجل ولكن حثوه على تنفيذ القرارات الدولية فهذا ما يتقن.

عون وجميّل وصلا في لحظة انهيار دولة، ويحملان رهاناً غربياً -ولو بأدوات ضعيفة- على إعادة بناء مؤسسات الجيش والدولة.

الجميّل حكم في زمن وصاية سورية واضحة وتدخل إسرائيلي مباشر، بينما عون يحكم بعد انسحاب سوريا وتغير موازين سوريا نفسها، والضغط الآن دولي-إسرائيلي وليس سورياً ولا بأدوات الأسد إلا من بعض لمسات الدولة العميقة التي بدأت تشيخ في لبنان وتبحث عن وريث.

الجميّل اصطدم بالطائفة الشيعية وباقي المكونات اليسارية الرافضة للاتفاق مع إسرائيل، بينما عون يواجه معضلة سلاح حزب الله كملف داخلي-خارجي معقد.

وإنصافاً لعون، أحسب أن تركة بشير الجميّل لأخيه أمين، مع ثقلها في العلاقة الإسرائيلية والابتعاد عن المحيط العربي، كانت جيدة من زاوية فتح خط مباشر مع الإسرائيلي بصياغة الحليف، الأمر الذي يصعب على عون ولو كان بتسريب معلومة رفضه أن يكون على خط هاتفي واحد يجمعه بترامب ونتنياهو.

وضع الساحة اللبنانية الداخلية: حكومة جديدة وصراع قديم

لعل الاستقطاب الداخلي قد وصل إلى ذروته بعد حرب 2024. معسكر يرى أن الخلاص يكون بتحجيم حزب الله ونزع سلاحه لضمان حياد لبنان، ومعسكر يعتبر السلاح خطاً أحمر لحماية الطائفة الشيعية والبلد من إسرائيل.

تصاعد الخطاب الطائفي والمناطقي بعد الحرب، وبعض الأطراف المسيحية والسنية طرحت الفيدرالية كحل، وجميع ما يطرح لا يلاقي توافقاً أو إجماعاً حقياً. شأنه شأن أي شيء في لبنان، ولكن هذه المرة حال البلد لا يسمح بهذه الرفاهية للرفض والاختلاف وعدم القبول.

السلاح هو عقدة لبنان، فالمجتمع الدولي لم يعد يفرق بين جنوب وشمال الليطاني، والمطلوب تطبيق الدستور ونزع كل سلاح خارج الشرعية. أما الحكومة الجديدة فملزمة بتعهدات أمام المجتمع الدولي، وتباطؤها في التنفيذ يفتح الباب لردود فعل دولية.

وهنا يجب التأكيد على أن كل هذه الجعجعة بالمواقف الغربية والعربية لا تقترب من حل حقيقي للداخل اللبناني الذي لا يكترث، مع جل حاجته لهذه الحلول، فأضحى كالجسم الذي لا يتفاعل مع المضاد الحيوي لسخافة طرح سياسييه وانعزالهم عن واقع مناطقهم وانكبابهم على المصالح الشخصية، وهذا جل الأمر ولو قيل غير هذا أو أسند الأمر لأسباب مختلفة، فهذا ديدن اللبنانيين أينما حلوا.

وعربيا عادت السعودية والإمارات ومصر بقوة بعد انتخاب عون، شرط الدعم المالي العربي مرتبط بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، ونزع سلاح المجموعات المسلحة، وإصلاح المؤسسات. لكن أي خطاب يبدو عدائياً تجاه فصائل حاربت إسرائيل يهدد بفتح أزمة دبلوماسية مع دول عربية مؤثرة.

و تبقى واشنطن هي المحرك الأساسي للضغط الحالي، إدارة ترامب تسعى لحسم الترتيبات الاستراتيجية في المنطقة قبل الانتخابات النصفية 2026. المطلوب واضح: تطبيق القرار 1701، حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، ومنع أي نشاط عسكري لحزب الله.

و بطبيعة الحال اتفاق 2026 يختلف عن 2024 كونه وقف غير متوازن يميل لمصلحة إسرائيل، ويمنحها حق الدفاع الأحادي، وهذا غير مستغرب بل أحسب أن استغرابه سذاجة.

فرنسا تلعب دور الوسيط التقليدي الفاشل دون تحقيق أي شيء لاستقرار لبنان أو حتى التخفيف عنه، وتدعم الجيش اللبناني وتضغط لإصلاحات إدارية وقضائية، لكنها تدرك أن أي انهيار أمني في لبنان يعني موجة لجوء جديدة نحو أوروبا ولو بقياسات تختلف عن سوريا أيام الثورة و الاتحاد الأوروبي بدوره يربط المساعدات الاقتصادية بإصلاحات ملموسة وشفافية مالية.

لعل أبرز المشكلات لحل يتناسب ووضع لبنان أن التباين بين الرؤية الأميركية والإسرائيلية يمنع حسماً نهائياً.

فواشنطن لا تريد فتح جبهة جديدة تجهض وقف إطلاق النار في غزة، فتمارس ضغطاً مزدوجاً الأمر الذي يدفع إسرائيل للاكتفاء بالردع الجوي، وتطلب من بيروت ضبط حزب الله.

لبنان اليوم يعيش لحظة تشبه بداية الثمانينيات، لكن بأدوات مختلفة. التفاوض مع سوريا لم يعد تفاوض وصاية، بل تفاوض حدود وسيادة وملفات عالقة، وسوريا أصلاً منشغلة بنفسها.

التجربة التاريخية لأمين الجميّل تحذر من أن الرهان على محور خارجي واحد يكلف لبنان انقساماً داخلياً مكلفاً.

أما جوزاف عون فيحاول تجنب ذلك عبر خطاب الدولة الواحدة، لكنه يواجه معادلة حزب الله التي لا تحل بالضغط الخارجي وحده. فالترياق الذي حضّره عون بخطاب القسم لم يعدُ أن يكون محلولاً ملحياً بعد فحصه وتجربته في مختبر السياسة اللبنانية والدولة العميقة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك