تفريغُ قانونِ #العفو_العام : المذبحةُ القضائيَّةُ للسُّنَّة.. من «اتفاقِ #الدوحة» إلى مسالخِ الصفقةِ والمحاصصة

كيف تحوَّلتِ الدولةُ إلى غرفةِ ابتزازٍ مذهبيٍّ تُدارُ بمنطقِ السلاحِ والوصاية؟

كيف تحوَّلتِ الدولةُ إلى غرفةِ ابتزازٍ مذهبيٍّ تُدارُ بمنطقِ السلاحِ والوصاية؟

خاص بوابة بيروت

لم يَعُدْ ملفُّ العفوِ العامِّ في لبنانَ مجرَّدَ نقاشٍ قانونيٍّ باردٍ في أروقةِ برلمانٍ ساقطٍ من عينِ الشعبِ والشرعيَّة، ولا أزمةَ سجونٍ متحلِّلةٍ تنبعثُ منها روائحُ الموتِ والذلِّ.

ما يُطبَخُ اليومَ في غرفِ الصفقةِ هو جريمةٌ موصوفة؛ عمليَّةُ إبادةٍ سياسيَّةٍ وقضائيَّةٍ علنيَّة، تُساقُ فيها الطائفةُ السُّنِّيَّةُ، مغلولةَ اليدين، إلى مقصلةِ الإخضاعِ والابتزازِ المذهبيِّ، ليُتركَ آلافُ الشبابِ السُّنَّةِ رهائنَ ومحكومين بالإعدامِ البطيءِ داخلَ مسالخِ التوقيفِ الاحتياطيِّ والمحاكماتِ المؤجَّلةِ كيدًا، بلا سقفٍ زمنيٍّ، وبلا أدنى مقوِّماتِ الكرامةِ الإنسانيَّة.

إنَّها مذبحةٌ قضائيَّةٌ واعيةٌ وممنهجةٌ، تُرتكَبُ بدمٍ باردٍ تحتَ عباءةِ زيفِ «القانون» وبندقيَّةِ «الهيبةِ الأمنيَّة»، بينما الحقيقةُ العاريةُ أنَّ الدولةَ تخلَّت عن صفتِها الاعتباريَّة، وانخلعت من ورقةِ التوت، لتتحوَّلَ إلى منصَّةِ فرزٍ طائفيٍّ وقحٍ؛ يُمنَحُ فيها القاتلُ، ومهرِّبُ الموت، وصانعُ المتفجِّرات، صكوكَ غفرانٍ «ميثاقيَّة» لأنَّه محميٌّ بالدبَّابةِ والميليشيا، بينما يُسحَقُ شبابُنا في أقبيةِ النسيانِ لمجرَّدِ الشبهةِ أو هُويَّةِ المذهب.

الخطيئةُ التأسيسيَّة: يومَ قُيِّدَ لبنانُ في أغلالِ «الدوحة» المشؤوم

لكي لا تنطليَ على الشارعِ بهلوانيَّاتُ التصريحاتِ الحكوميَّةِ الممجوجة، لا بدَّ من نبشِ القبرِ الذي دُفِنَتْ فيه السيادةُ اللبنانيَّة: «اتفاقُ الدوحة» عامَ 2008.

ذلك الاتفاقُ اللعينُ لم يكن تسويةً وطنيَّة، بل كان صكَّ استسلامٍ رسميٍّ جرى توقيعُه تحتَ وطأةِ السلاحِ والدمِ وغزوِ بيروتَ والجبلِ في 7 أيَّار.

يومَها، كُرِّسَ منطقُ «البلطجةِ المسلَّحة» كأصلٍ دستوريٍّ، وفُرِضَتْ على اللبنانيين معادلةٌ مذلَّة: الأمنُ مقابلَ التنازل، والعيشُ المشتركُ مقابلَ الانبطاح، والشراكةُ مقابلَ الاستعباد.

منذُ تلك اللحظةِ الكارثيَّة، بدأَ الانحدارُ الأكبر، وحُوِّلَتِ البيئةُ السُّنِّيَّةُ إلى «صندوقِ خسائرَ مجَّانيٍّ» ومستودعٍ لتقديمِ الأثمانِ لشهواتِ الآخرينَ في السلطة.

توالتْ صفقاتُ العارِ الرئاسيَّةُ والحكوميَّة، وصيغتْ حكوماتُ «ربطِ النزاع» التي لم تكن سوى ربطٍ لرقابِ الأحرارِ بسياساتِ الوليِّ الفقيه، وكان المطلوبُ دائمًا: أن يدفعَ السُّنَّةُ من كرامتِهم، ومن دماءِ شبابِهم، ثمنًا لبقاءِ «التحالفِ الميليشياويِّ ـ المافيويِّ» جاثمًا على أنفاسِ الوطن.

الإرهابُ المذهبيُّ، الجريمةُ تُعرَّفُ بالهُويَّةِ لا بالفعل

في قاموسِ لبنانَ الخاضعِ للاحتلالِ المقنَّع، جرى تدميرُ المفهومِ القانونيِّ للجريمة.

فالإرهابُ لا يُعرَّفُ استنادًا إلى مادِّيَّاتِ الفعلِ الجرميِّ، بل بنوعِ السجلِّ النفسيِّ للمتَّهَم.

البيئةُ السُّنِّيَّة: حينَ انتفضتْ رفضًا للظلمِ والتهميش، واستنكارًا لاعتقالاتٍ تعسُّفيَّةٍ طالتْ بلداتٍ بأكملها، وُصِمَتْ فورًا بأنَّها «بيئةٌ حاضنةٌ للإرهاب».

جُنِّدَتْ ضدَّها جحافلُ الأجهزة، وفُبرِكَتْ لها السيناريوهاتُ الهوليووديَّة، وصيغتْ لها المحاضرُ الجاهزةُ في الغرفِ السوداءِ، لتُساقَ مناطقُنا من عكَّارَ والمنيةِ إلى طرابلسَ وصيدا والعرقوب، والملفَّاتُ مفتوحةٌ بلا أفق.

دويلاتُ الأمرِ الواقع: في المقابل، عندما يتعلَّقُ الأمرُ بمربَّعاتِ السلاحِ الإيرانيِّ، ومصانعِ «الكبتاغون»، وشبكاتِ التهريبِ العابرةِ للحدود، وميليشياتِ المرتزقةِ التي تحاربُ شعوبَ المنطقةِ وتجرُّ لبنانَ إلى الجحيم، تسقطُ لغةُ «الأمنِ القوميِّ» فورًا، ويُستعاضُ عنها بخطابِ «الخصوصيَّة» و«الحوار» و«حمايةِ المقاومة».

أيُّ قضاءٍ مسخٍ هذا الذي يُطارِدُ شابًّا سُنِّيًّا سنواتٍ طوالًا بناءً على وشايةِ مخبرٍ مأجورٍ أو «وثيقةِ اتِّصالٍ» ساقطةٍ قانونًا، بينما يقفُ مشلولًا، مرعوبًا، وعاجزًا عن الاقترابِ من مخازنِ السلاحِ غيرِ الشرعيِّ التي تخترقُ العاصمةَ والمدن؟

المحكمةُ العسكريَّة، «غستابو» المنظومةِ وسيفُ التصفيةِ المذهبيَّة

لقد سقطتْ ورقةُ التوتِ عن المحكمةِ العسكريَّة، التي تحوَّلتْ في وعيِ الناسِ العاديِّين إلى ما يشبهُ محاكمَ التفتيشِ القرونَ الوسطى، و«غستابو» مخصَّصًا لتركيعِ الفئاتِ التي لا سقفَ مسلَّحًا يحميها.

إنَّه قضاءٌ استثنائيٌّ يجسِّدُ أبشعَ صورِ الاستنسابيَّة؛ يُحاكَمُ فيه الفقرَاءُ والمستضعفون بالشبهةِ والنيَّة، بينما يتمتَّعُ القتلةُ الفعليُّون المحميُّون حزبيًّا بحصاناتٍ تفوقُ الدستورَ والقانون.

إنَّ بقاءَ آلافِ الموقوفين «الإسلاميِّين» دونَ محاكماتٍ، واستنزافَ أعمارِهم وراءَ القضبانِ في زنازينَ ضيِّقةٍ تفتقرُ إلى الحدِّ الأدنى من الكرامةِ الإنسانيَّة، ومن دونِ صدورِ أحكامٍ مُبرمةٍ بحقِّهم، هو فضيحةٌ قضائيَّةٌ تضعُ القضاءَ اللبنانيَّ في مصافِّ أنظمةِ الإبادةِ السياسيَّة.

هذا ليس عجزًا لوجستيًّا، بل قرارٌ سياسيٌّ مُتعمَّدٌ لإبقاءِ هذه القضيَّةِ سيفًا مُصلتًا لابتزازِ شارعٍ بأكمله، وإبقاءِ شبابِنا وقودًا لمعادلاتِ الرهبنةِ السياسيَّة.

«العفوُ العام»، من أداةِ عدالةٍ إلى سوقِ نخاسةٍ مذهبيٍّ

إنَّ قانونَ العفوِ العامِّ، في أيِّ دولةٍ تحترمُ نسيجَها الاجتماعيَّ، يُطرَحُ كجرعةِ أوكسجينٍ سياسيَّةٍ لإغلاقِ جراحِ الماضي ومسحِ خطايا الدولةِ بحقِّ مواطنيها.

أمَّا في لبنان، فقد حوَّلتْه العصابةُ الحاكمةُ إلى سوقِ نخاسةٍ رخيصٍ للبيعِ والشراء، وبازارٍ لإذلالِ الناس.

المعادلةُ لديهم واضحةٌ ووقحة: العفوُ يصبحُ مطلبًا وطنيًّا وميثاقيًّا مُلحًّا حينَ يتعلَّقُ بتجَّارِ المخدِّرات، والعملاءِ، والمجرمين الذين يدورون في فلكِ نفوذِهم الطائفيِّ.

لكنْ، ما إن يُذكَرَ ملفُّ الموقوفين الإسلاميِّين الذين لُفِّقَتْ لغالبيَّتِهم التُّهَم، حتَّى تُفتَحَ صنابيرُ التحريضِ الطائفيِّ، وتتحرَّكَ الماكيناتُ الإعلاميَّةُ لشيطنةِ الطائفةِ السُّنِّيَّة، واستدعاءِ فزَّاعةِ «داعش» و«التطرُّف» لتعطيلِ أيِّ مخرجٍ إنسانيٍّ وقانونيٍّ.

حينَ يكتبُ السلاحُ حدودَ العدالةِ ويخنقُ القضاء

لا يمكنُ قراءةُ هذا العهرِ القضائيِّ بمعزلٍ عن واقعِ الاحتلالِ المُبطَّن الذي يعيشُه لبنان. فحينَ يمتلكُ «حزبُ الله» قدرةَ الفرضِ والتعطيلِ وعزلِ القضاةِ بقوَّةِ السلاحِ وفائضِ القوَّةِ والترهيب، تسقطُ العدالةُ في غيبوبةٍ سريريَّة.

في بلدٍ وقحٍ، جرى فيه اغتيالُ التحقيقِ في أكبرِ انفجارٍ غيرِ نوويٍّ في التاريخِ الحديثِ «تفجير مرفأِ بيروت»، وجرى ترهيبُ المحقِّقين العدليِّين وتهديدُهم داخلَ مكاتبِهم، وتطويقُ قصرِ العدلِ بالمسلَّحين، يصبحُ الحديثُ عن «استقلاليَّةِ القضاء» نكتةً ممزوجةً بالدمِ والدموع.

الناسُ يملكون عيونًا ويرون: هناك مجرمٌ هاربٌ من العدالةِ الدوليَّةِ والمحلِّيَّةِ يُستقبَلُ استقبالَ الفاتحين، وهناك شابٌّ يُسحَقُ في غياهبِ السجونِ لأنَّه بلا حمايةٍ حزبيَّة.

«نوَّابُ الصدفة» والسماسرة، الخونةُ من داخلِ البيت

إنَّ قسوةَ العدوِّ لا تُضاهي أبدًا مرارةَ خيانةِ الشقيق.

فالكارثةُ الحقيقيَّةُ لا تكمنُ فقط في بطشِ منظومةِ السلاح، بل في تخاذلِ، بل وتواطؤِ، أولئكَ الصغارِ الذين يرتدون ثوبَ تمثيلِ الشارعِ السُّنِّيِّ: «نوَّابُ الصدفة» وسماسرةُ المقاعدِ والفتاتِ الذين صعدوا على أكتافِ الناسِ وعواطفِهم في المواسمِ الانتخابيَّة.

أينَ هي أصواتُكم الخافتةُ المذعورةُ من أنينِ أمَّهاتِ الموقوفين؟

أينَ «السيادةُ» و«الكرامةُ» التي تتبجَّحون بها في الصالونات، بينما أنتم غارقون في صفقاتِ المحاصصةِ وتأمينِ مصالحِكم الشخصيَّةِ والرماديَّةِ السياسيَّة؟

إنَّ هؤلاء ليسوا مجرَّدَ مقصِّرين، بل هم شركاءُ كاملون في الجريمة. صمتُهم المُخزي وتغطيتُهم السياسيَّةُ لمشاريعِ القوانينِ المسخ هو الذي منحَ الجلَّادَ شرعيَّةَ تمزيقِ أجسادِ شبابِنا.

لقد باعوا ناسَهم في سوقِ المقايضاتِ الرخيصةِ ليشتروا لأنفسِهم رضا «الوالي الأمنيِّ» في حارةِ حريك.

لا عدالةَ تحتَ جزمةِ الوصاية، نداءٌ إلى الشارعِ الحُرِّ

ليسمعْها القاصي والداني: إنَّ أيَّ قانونِ عفوٍ عامٍّ يُصاغُ بعقليَّةِ الكيد، والابتزازِ المذهبيِّ، والغلبةِ السياسيَّة، لن يكونَ مشروعَ استقرار، بل سيكونُ عودَ الثقابِ الذي سيُشعلُ الانفجارَ القادم.

لا يمكنُ بناءُ وطنٍ تُقادُ فيه العدالةُ بزعرنةِ السلاحِ واستقواءِ الميليشيا.

لبنانُ اليومَ يقفُ على حدٍّ فاصل: إمَّا الذهابُ نحوَ دولةٍ حقيقيَّةٍ تخضعُ لمعاييرَ قانونيَّةٍ موحَّدةٍ وعادلةٍ لا تميِّزُ بينَ ابنِ بعلبك والجنوب وابنِ طرابلسَ وعكَّار، وإمَّا الإعلانُ الرسميُّ بأنَّ هذا الكيانَ قد سقطَ نهائيًّا، وتحوَّلَ إلى مجرَّدِ واجهةٍ مدنيَّةٍ ومزرعةٍ أمنيَّةٍ تُدارُ بالكامل من غرفِ عمليَّاتٍ مذهبيَّةٍ سوداء.

يا أهلَنا، يا كلَّ غاضبٍ في هذا الوطن، يا أمَّهاتِ الموقوفين اللواتي جفَّتْ دموعُهُنَّ على عتباتِ المحاكمِ الظالمة: إنَّ الحقَّ لا يُستجدَى من يدِ الجلَّاد، والعدالةُ لا تُطلَبُ ممَّن صادرَ الدولةَ بالسلاح.

لقد انتهى زمنُ الصبر، وولَّى عصرُ التسوياتِ المُذلَّةِ على حسابِ كرامتِنا ودماءِ شبابِنا.

لن نرضى بأن نكونَ الوقودَ الدائمَ لمسالخِكم السياسيَّة.

العفوُ إمَّا أن يكونَ شاملًا، عادلًا، كاسرًا للاستنسابيَّة، يخرجُ بموجبِه كلُّ مظلوم، وإمَّا فلتستعدُّوا لمواجهةِ غضبةِ شارعٍ انفجرَ من القهرِ ولم يَعُدْ لديه ما يخسره سوى قيودِكم وبازاراتِكم الرخيصة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك