شيعة “ولاية الفقيه”، كيف يزورون تاريخ لبنان؟
بقلم د. أنيس رأشد – خاص بوابة بيروت
في السنوات الأخيرة، تصاعد خطاب بعض الأصوات الشيعية في لبنان التي تحاول إعادة كتابة التاريخ اللبناني وفق سردية سياسية معاصرة، تقوم على تصوير الشيعة بأنهم “أصحاب الأرض الأصليون”، فيما الموارنة والمسيحيون “طارئون” أو “غزاة”.
وهي رواية سبق أن عبّر عنها بوضوح الأمين العام السابق لحزب الله في بدايات الثمانينيات، قبل أن تدخل لغة “التقية السياسية” إلى الخطاب العلني.
لكن التاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالوقائع والمراجع والتسلسل الزمني.
الوجود المسيحي والموارنة في لبنان
الوجود المسيحي في لبنان يعود إلى القرون الأولى للميلاد، مع بدء انتشار المسيحية في مناطق بلاد الشام، ومنها قيسارية فيلبس، الواقعة ضمن نطاق مرجعيون الحالية، بحسب عدد من المراجع التاريخية الكنسية والبيزنطية. وقد انتشرت المسيحية في جبل لبنان منذ القرن الأول الميلادي، أي قبل ظهور التشيّع بعدة قرون.
أما الموارنة، فتعود جذورهم إلى أتباع القديس مار مارون، الراهب الذي عاش قرب نهر العاصي في شمال سوريا أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الميلادي. وظهرت الجماعة المارونية ككيان ديني بين القرنين الخامس والسادس، ثم تعزّز وجودها في جبل لبنان بين القرنين السابع والتاسع الميلاديين، حيث اعتنق قسم كبير من سكان لبنان السريان هذا المذهب.
متى ظهر التشيّع في لبنان؟
أما التشيّع، فبدأ انتشاره في مناطق من جبل عامل والبقاع خلال العصرين الأموي والعباسي، خصوصًا بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، أي بعد الوجود الماروني والمسيحي بعدة قرون.
وهنا تقع المفارقة الكبرى: من سبق وجوده التاريخي بقرون يُتَّهَم اليوم بأنه “طارئ”، فيما يُقدَّم اللاحق على أنه “الأصيل”.
ويحاول بعض منظّري هذا الخطاب الاستناد إلى أن مار مارون “سوري الأصل”، لتبرير مقولة أن الموارنة ليسوا لبنانيين. لكن هذا المنطق يسقط تلقائيًا على التشيّع نفسه، إذ إن مرجعياته الدينية والتاريخية انطلقت من الجزيرة العربية ثم العراق وإيران لاحقًا. فإذا كان الأصل الجغرافي للمؤسس يلغي انتماء الأتباع المحليين، فإن هذا المنطق يرتدّ على أصحابه قبل غيرهم.
جبل عامل أم بلاد بشارة؟
حتى على مستوى الأسماء، تظهر محاولات إعادة صياغة الهوية التاريخية للمناطق الجنوبية.
فالمنطقة التي تُعرف اليوم بـ“جبل عامل” كانت تُعرف تاريخيًا أيضًا باسم “بلاد بشارة”، وما تزال القرى تحمل أسماء سريانية وآرامية واضحة، مثل:
• كفركلا
• كفرفيلا
• دير سريان
وغيرها من القرى التي تشهد على الجذور السريانية – المسيحية القديمة للمنطقة.
موقف الشيعة من لبنان الكبير
ومن المفارقات التي يتم تجاهلها عمدًا، أن جزءًا كبيرًا من القيادات الشيعية في الجنوب والبقاع رفض قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، وبرزت حركات تمرد ورفض قادها أدهم خنجر وآخرون، وشهدت تلك المرحلة اعتداءات على قرى مسيحية مثل عين إبل ودبل ومرجعيون.
وفي المقابل، يذكر التاريخ صمود بلدة القليعة في مواجهة تلك الهجمات، حتى إن الجنرال هنري غورو أرسل شهادة تقدير لأهلها تقديرًا لدفاعهم عن بلدتهم.
تناقض خطاب “التجنيس”
اللافت أيضًا أن بعض الخطاب الشيعي يهاجم الأرمن بوصفهم “مجنّسين”، رغم أن الأرمن استقروا في لبنان منذ مذابح 1915–1917، أي قبل إعلان دولة لبنان الكبير نفسها.
وبحسب منطق “الأسبقية التاريخية” الذي يستخدمه هؤلاء، يصبح الأرمني أحقّ بوصف بعض الجماعات الأخرى بأنها “ملحقة بالدولة اللبنانية” لا العكس.
لماذا يُعاد فتح هذا الخطاب اليوم؟
السؤال الأهم، لماذا يعود هذا الخطاب العدائي تجاه المسيحيين الآن تحديدًا؟
الجواب يرتبط بالأزمة الداخلية داخل البيئة الشيعية نفسها بعد الكوارث الاقتصادية والعمرانية والسياسية التي أصابت الجنوب ولبنان عمومًا نتيجة خيارات قياداتها. ومع تصاعد التململ الشعبي، يصبح من الضروري بالنسبة لبعض القوى خلق “عدو داخلي” جديد يعيد شدّ العصب الطائفي.
وهنا تظهر ما يُعرف منطقيًا بـ“مغالطة الرنجة الحمراء – Red Herring”، أي تحويل النقاش من القضية الأساسية إلى قضية جانبية لتشتيت الانتباه.
فبدل محاسبة المسؤولين عن الانهيار والحروب والتدمير، يجري تحويل الغضب نحو المسيحيين عبر اتهامهم بالانعزال أو العمالة أو “الصهيونية”.
المسيحيون والصهيونية… مغالطات شعبوية
بلغ الخطاب التحريضي حدّ محاولة ربط المسيحيين بالصهيونية، متناسين أن المسيحية نفسها خرجت من البيئة اليهودية، وأن العذراء مريم تُلقّب في التراث الكنسي بـ“ابنة صهيون”.
كما أن المسيحية لا تقوم على العداء التاريخي لليهود، بل على رسالة المسيح الذي قال: “اغفر لهم يا أبتِ لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”.
تزوير التاريخ لا يصنع حقيقة
قد يصمت البعض عن تغيير أسماء المناطق، وعن تحويل “بلاد بشارة” إلى “جبل عامل”، أو عن محاولات طمس الجذور السريانية والمسيحية للجنوب اللبناني.
لكن تحويل التاريخ نفسه إلى أداة دعائية، وقلب التسلسل الزمني، وادعاء أن من جاء لاحقًا هو “الأصل” ومن سبقه بقرون هو “الطارئ”، ليس سوى عبث بالحقائق.
التاريخ لا يُكتب على المنابر الحزبية، ولا تصنعه الشعارات، ولا يغيّره تكرار الأكاذيب.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير