
خبير متميّز في الإدارة السياسية والاستشارات
دعوة إلى #القيادات_اللبنانية توحيد الرئاسة و #الحكومة لصياغة قرار سيادي وسط #الأزمات المزمنة
مجرد تحرك #الدولة عبر مؤسساتها #الشرعية يغيّر طبيعة الخطاب الدولي تجاه لبنان.
مجرد تحرك الدولة عبر مؤسساتها الشرعية يغيّر طبيعة الخطاب الدولي تجاه لبنان.
–
بقلم د. محمد غزيّل – خاص بوابة بيروت
@mogozeil
في لحظة تاريخية شديدة الخطورة، يقف لبنان أمام مفترق وجودي يتجاوز بكثير حدود الأزمة الحكومية التقليدية أو الانهيار السياسي المرحلي. ما يواجهه لبنان اليوم ليس أزمة سلطة فقط، بل أزمة رؤية دولة، وأزمة قدرة النظام السياسي على إنتاج مستقبل قابل للحياة وسط بيئة داخلية متفكّكة وتحولات إقليمية ودولية متسارعة.
لقد دخل لبنان مرحلة أصبحت فيها الدولة تتحرك بردود الفعل لا بالفعل الاستراتيجي، فيما يتآكل القرار السيادي تدريجياً تحت ضغط الانقسامات السياسية والشلل الإداري والانهيار المالي والتآكل المستمر لثقة الداخل والخارج بقدرة النظام على استعادة المبادرة.
الأخطر من ذلك أن الحكومة الحالية تبدو عاجزة عن إنتاج حلول حقيقية، ليس فقط بسبب ضعف الإمكانيات، بل نتيجة غياب رؤية وطنية موحدة قادرة على إعادة تعريف موقع لبنان ودوره ووظيفته السياسية في المنطقة والعالم.
ومن هنا، فإن أي محاولة لإنقاذ لبنان لم تعد ممكنة عبر الحلول التقنية المؤقتة أو التسويات المرحلية وحدها، بل تحتاج إلى مشروع سياسي استراتيجي شامل يعيد بناء مفهوم الدولة، ويحوّل لبنان من دولة إدارة أزمات إلى دولة تمتلك رؤية مستقبلية واضحة.
إن أولى الخطوات المطلوبة تتمثّل في الاعتراف الواقعي بأن البلاد دخلت مرحلة انتقالية تتطلب منح الحكومة الحالية إطاراً زمنياً محدداً لا يتجاوز عامين، ليس كتمديد سياسي تقليدي، بل كمرحلة تأسيسية لإعادة تثبيت الدولة ومنع الانهيار الكامل. هذه المرحلة يجب أن تكون محكومة بخطة سيادية إصلاحية واضحة، مرتبطة بأهداف تنفيذية دقيقة، تشمل إعادة هيكلة المؤسسات، تثبيت الاستقرار الأمني، إطلاق مسار إصلاح سياسي واقتصادي حقيقي، والتحضير لانتقال سياسي أكثر استقراراً.
غير أن أي إطار زمني لن يكون ذا قيمة ما لم يُرفق بتوحيد فعلي للرؤية بين رئاسة الجمهورية والحكومة. فإحدى أخطر الأزمات البنيوية في لبنان كانت دائماً غياب الانسجام الاستراتيجي داخل السلطة نفسها، حيث تتحوّل مؤسسات الدولة إلى مراكز متنافسة بدل أن تكون أجزاءً من مشروع وطني موحد. ولذلك، فإن لبنان يحتاج اليوم إلى صياغة رؤية سيادية مستقبلية مشتركة بين الرئاسة والحكومة، تقوم على إعادة تعريف الأولويات الوطنية بعيداً عن الحسابات الفئوية والطائفية الضيقة.
هذه الرؤية يجب أن تنطلق من مفهوم الدولة القادرة، لا الدولة التوافقية العاجزة. دولة تمتلك قرارها السياسي، وتعيد بناء ثقة الداخل والخارج بقدرتها على إدارة أمنها وحدودها واقتصادها وعلاقاتها الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب كخطوة استراتيجية تتجاوز بعدها الأمني المباشر. فالخطوة ليست مجرد انتشار عسكري، بل رسالة سياسية ودبلوماسية موجهة إلى المجتمع الدولي بأن لبنان يسعى لاستعادة دوره كدولة صاحبة سيادة فعلية على كامل أراضيها. حتى لو اعتبر البعض أن الجيش اللبناني لا يمتلك الإمكانيات الكافية، فإن مجرد تحرك الدولة عبر مؤسساتها الشرعية يغيّر طبيعة الخطاب الدولي تجاه لبنان.
فالعالم لا يتعامل فقط مع موازين القوة العسكرية، بل أيضاً مع الإرادة السياسية للدول. وعندما تظهر الدولة اللبنانية استعدادها لتحمل مسؤولياتها السيادية، فإن ذلك يعيد رسم صورة لبنان دولياً، ويُخرج النقاش من منطق “الدولة العاجزة” إلى منطق “الدولة التي تحاول استعادة نفسها”.
لكن أي تحرك سيادي لن ينجح إذا بقي الخطاب الإعلامي اللبناني غارقاً في الفوضى والانقسامات والتناقضات اليومية. فالإعلام في لحظات الأزمات الوطنية الكبرى ليس مجرد ناقل للأحداث، بل يصبح جزءاً من الأمن القومي المعنوي والسياسي للدولة. لذلك، يحتاج لبنان إلى توجيه إعلامي استراتيجي لا يقوم على القمع أو الرقابة، بل على خلق خطاب وطني موحّد يركز على حماية الاستقرار، دعم صورة الدولة، واستعادة الثقة الداخلية والخارجية.
لقد خسر لبنان كثيراً من صورته الدولية بسبب الفوضى السياسية والإعلامية التي جعلت البلاد تبدو وكأنها مساحة مفتوحة للصراع الدائم. بينما المطلوب اليوم هو إنتاج خطاب سياسي وإعلامي يعكس وجود دولة تمتلك مشروعاً للمستقبل، لا مجرد سلطة تدير الانهيار.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن لوزارة الخارجية أن تبقى مؤسسة بروتوكولية هامشية في ظل هذا التحوّل الخطير. فوزير الخارجية يجب أن يتحوّل إلى رأس حربة دبلوماسية لإعادة تقديم لبنان إلى العالم وفق رؤية جديدة تقوم على السيادة والإصلاح والاستقرار.
كما أن وزير الدفاع يجب أن يتحمل دوراً استراتيجياً في إعادة تنظيم العقيدة الأمنية للدولة، وتعزيز حضور المؤسسات الشرعية في الداخل والخارج.
إن المعركة التي يخوضها لبنان اليوم ليست فقط داخلية، بل هي أيضاً معركة صورة وموقع ودور على المستوى الدولي. ولذلك، يصبح تحريك السفارات اللبنانية في العواصم الكبرى ضرورة وطنية لا خياراً إدارياً.
فالسفراء اللبنانيون في باريس وواشنطن ولندن والرياض وبروكسل وغيرها يجب أن يتحوّلوا من موظفين دبلوماسيين تقليديين إلى أدوات استراتيجية للدفاع عن لبنان، جذب الدعم الدولي، إعادة بناء الثقة السياسية والاقتصادية، وشرح التحوّل الذي تسعى الدولة اللبنانية إلى تحقيقه.
لقد فشل لبنان لسنوات في استخدام قوته الدبلوماسية المنتشرة حول العالم، رغم أن الجاليات اللبنانية والعلاقات الدولية التاريخية للبنان تشكل واحدة من أهم عناصر قوته الناعمة. واليوم، يجب إعادة تفعيل هذه القوة ضمن استراتيجية وطنية متكاملة.
أما داخلياً، فإن أي مشروع إنقاذي لا يمكن أن ينجح من دون إصلاحات اقتصادية وإدارية جذرية. فلبنان يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده على أسس إنتاجية حديثة، بعيداً عن النموذج الريعي الذي قاد إلى الانهيار. كما يحتاج إلى إصلاح القضاء، محاربة الفساد، إعادة هيكلة الإدارة العامة، وتطوير البنية التحتية والخدمات الأساسية.
لكن الحل الداخلي وحده لا يكفي. فلبنان بحكم موقعه الجيوسياسي لا يستطيع النهوض من دون مظلة دعم دولية وإقليمية متوازنة. ولذلك، يجب بناء مقاربة دبلوماسية جديدة تقوم على إعادة التموضع الاستراتيجي للبنان كدولة استقرار لا كساحة صراع. وهذا يتطلب فتح قنوات جدية مع الدول العربية الأساسية، وخاصة المملكة العربية السعودية ، ومع أوروبا والولايات المتحدة، ضمن رؤية تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.
إن لبنان لا يحتاج فقط إلى مساعدات مالية، بل إلى إعادة دمجه في النظام الإقليمي والدولي كدولة تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً، لا كملف أزمة مفتوح بلا نهاية.
في النهاية، لا يمكن إنقاذ لبنان بعقلية إدارة الوقت الضائع أو عبر التسويات المؤقتة التي تؤجل الانفجار من دون معالجة أسبابه. البلاد تحتاج إلى قيادة تمتلك الجرأة على الانتقال من منطق البقاء السياسي إلى منطق بناء الدولة.
فالمرحلة المقبلة لن تكون اختباراً للحكومة فقط، بل اختباراً لفكرة لبنان نفسها: هل يستطيع أن يتحوّل من دولة تعيش على التوازنات الهشة والانقسامات المزمنة إلى دولة تمتلك رؤية سيادية حديثة قادرة على فرض حضورها داخلياً وخارجياً؟
التاريخ لا يرحم الدول التي تفشل في قراءة لحظاتها المفصلية. ولبنان اليوم أمام واحدة من أخطر هذه اللحظات.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير