
مدير التحرير
بعد تطويب الحويّك… هل يعود لبنان إلى الفكرة التي وُلد من أجلها؟
خاص بوابة بيروت
لقد أعاد البابا ليون الرابع عشر، في اليوم التالي لتطويب البطريرك الياس الحويّك، طرح السؤال اللبناني بصيغةٍ غير مباشرة عندما وصفه بأنه «رجل حوار ورجاء» و«مرجع مضيء في الحياة الكنسية والاجتماعية والسياسية»، مذكّرًا العالم بأنه «أب لبنان الكبير»، قبل أن يربط هذه الرسالة بندائه إلى السلام في الشرق الأوسط ووقف العنف والعودة إلى الحوار والدبلوماسية.
من تطويب الحويّك إلى سؤال الكيان
بعد الذي حصل، يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على الواقع اللبناني اليوم: هل لا يزال لبنان صالحًا للفكرة التي استولده الحويّك من أجلها؟ وهل بقي الوطن الذي أراده مساحةً للقاء والحوار والشراكة، أم أنه انحرف عن رسالته تحت وطأة مشاريع الغلبة والانقسامات والمحاور؟
لقد كان لبنان الكبير، في رؤية الحويّك، مشروع دولة لا مشروع ساحة، ووطنًا يحتضن التعددية ولا يختزلها، ويصون حرية الإنسان ولا يرهنها.
ومن هنا، فإن كلمات البابا لا تبدو مجرد تكريم لشخصية تاريخية، بل دعوة إلى استعادة الفكرة المؤسسة للبنان، والعودة إلى منطق الدولة والحوار والرجاء، لأن الوطن الذي وُلد على يد «أب لبنان الكبير» لا يمكن أن يستمر إلا إذا بقي وفيًّا للفلسفة الكيانيّة التي قامت عليها ولادته، لا إذا تحوّل إلى ساحة صراعات تُفرغه من رسالته وتبدّد مبرر وجوده.
حين أخفق اللبنانيون في بناء الدولة
فيما رأى بعض اللبنانيين أنّ تطويب الحويّك هو تطويب للخطأ والخطيئة التي عمّرت نيّف وقرن، واستجلبت الويلات على لبنان، وكبّدته طوال هذه المدّة نصف مليون ضحيّة لهذه الفكرة التي لم تستطع أن تنجب دولةً، مع أنّها صنعت وطنًا.
لكنّ الإشكاليّة التي لم يرها هؤلاء، أو قل الخطيئة، لا تكمن في رؤية الحويّك لهذا الوطن بل في قصور اللبنانيين في تلك المرحلة من اختيار الصيغة السياسيّة والنّظام السياسي المناسب لهذا الوطن حتّى يصبح دولة ناجحة كما أرادها مؤسّس كيانها: دولة سيدة، تعددية، تعتمد الحياد عن صراعات الآخرين، فيها الشراكة بين شعوبها والحرّيّة هي عماد رسالة وجودها. فانحرفت التجربة اللبنانية عن هذه الرؤية. فكان ما كان وحدث ما حدث، وبتنا حيث نحن اليوم: لا وطن ولا دولة، بل بقينا مجموعة “شعوب لبنانيّة ” كما سمّانا الحويّك. فهو لم يفشل في تأسيس وطن، بل فشل اللبنانيون في تحويل هذا الوطن إلى دولة. لماذا؟
الامتحان التاريخي لفكرة لبنان
لا تُقاس صلاحية الأفكار بالشعارات، بل بقدرتها على الصمود أمام الامتحانات التاريخية. ولبنان يقف هذا الأسبوع أمام أحد أكبر امتحاناته منذ انتهاء الحرب، حيث يطلّ هذا الأسبوع حاملًا في طيّاته إشكاليّات جديدة تبدأ من استكمال تنفيذ اتّفاق الاطار في المناطق التّجريبيّة، وذلك على وقع معلومات صدرت من مراجع أميركيّة سياسيّة مهمّة، أفادت بدخول عناصر حزب الله تحت مسمّى ” الأهالي” قبل الجيش اللبناني إلى هذه المناطق. فإن صحّت هذه المعلومات، وتمّ التثبّت منها من قبل اللجان الأمنيّة المتابعة فهذا يعني حتمًا أنّ الإطار طار.
وذلك لأنّ الالتزام الذي قطعه فخامة الرّئيس في لقاء واشنطن لم يتمّ. وعندها سيعود لبنان إلى الشّعوب التي سبقت مرحلة الحويّك من جديد. كما أنّ الضمانات الأميركية للانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل حصرية السلاح بيد الدولة، وآليات تنفيذ الاتفاق، هذه كلّها ستسقط.
وسنعود إلى المربّع الأوّل. ومن يعرف إذا ما كان الرّئيس ترامب المرتبك إيرانيًّا، سيجد كوّة للنّصر في الخاصرة الرّخوة في لبنان، حتّى يستعملها ورقة رابحة قبل انتخاباته النّصفيّة؟ وهل نحتمل المزيد من هدير طائرات الأزرق وصواريخه على مختلف المناطق اللبنانيّة، وبلا وازع أو رادع هذه المرّة؟
بالتوازي تستكمل التحضيرات للجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المقررة في 4 آب في روما، مع بدء الاتصالات الدبلوماسية لتحديد جدول الأعمال والملفات التقنية التي ستناقشها اللجان المختصة. هذا التّاريخ الذي دمغ ذاكرة اللبنانيين بالدّم. هل يستطيع أن يتحوّل إلى تاريخ يدمغ ذاكرتنا اللبنانيّة بسعف النّخل وأغصان الزّيتون؟
وسط ذلك كلّه، ينتظر المراقبون موقف “حزب الله” من المرحلة التنفيذية، وما إذا كان سيصعّد سياسيًا أو ميدانيًا، أو يكتفي برفض الاتفاق من دون خطوات عملية تعرقل التنفيذ، مع رصد للعقبات الميدانية والأمنية. لكنّ المؤشّرات التي تلوح في الأفق العسكري تشي بإمكانيّة ارتكاب زعزعة أمنيّة ميدانيّة على وقع خلافات قد يفتعلها بعض “الأهالي” على خلفيّة العودة وعمليّات التفتيش في المنازل التي لا زالت حتّى الساعة غير واضحة بسبب عدم صدور الاستنابات العامّة من قبل النائب العام التمييزي.
الدولة… أو سقوط الرسالة؟
وهكذا يبدو لبنان عالقًا بين منطق الدولة ومنطق المرحلة الانتقالية. فيما الحقيقة انتقلت من السؤال الإفتراضي السهل: هل سيُطبَّق الاتفاق؟ إلى زمن السؤال الأصعب: أيّ دولة من رحم هذا الاتفاق؟ هل ستكون الدّولة المنبثقة من الفكرة ” الحويّكيّة”؟ ذلك يتّضح أكثر كلّ يوم مع الانتقال التدريجي من لبنان الذي تحكمه موازين القوى إلى لبنان الذي يفترض أن تحكمه المؤسسات. والسؤال الحقيقي ليس مصير سلاح حزب الله فحسب، بل قدرة الدولة على ملء الفراغ الذي سيتركه تراجع أي قوة غير رسمية.
وهنا بالتّحديد نقطة بداية الأزمة وليس نهايتها، لأنّ قرار بناء الدّولة لن يكون بقرار دوليّ بل بقرار لبنانيّ بحت. وللوصول إلى ذلك يجب ألّا تكون مسألة حصرية السلاح الهدف النهائي، بل هي المدخل لاستعادة السيادة المفقودة. مع التأكيد أنّ استمرار السجال السياسي، وضمنًا الدّستوري، في هذه مرحلة التنفيذ الحرجة قد يطيح بهذا المسار كلّه.
فالسؤال اليوم لم يعد كيف نحمي لبنان، بل كيف نحمي الفكرة التي جعلت من لبنان وطنًا. فإذا ماتت الفكرة، لن ينفع الوطن في البقاء، لأن الأوطان تموت يوم تتخلى عن الرسالة التي وُلدت من أجلها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير