#البيئة وامتحان السيادة على #الطبيعة

بقلم د. كلير فخر الدّين – خاص بوابة بيروت

ليست الحرائق التي تلتهم الغابات في عدد من الدول الأوروبية، ولا موجات الحر القياسية التي أودت بحياة المئات من السكان ، مجرد كوارث موسمية فرضتها الطبيعة. إنها امتحان قاسٍ لقدرة الإنسان على إدارة علاقته بالبيئة، واختبار حقيقي لمدى نجاح الدولة في حماية أحد أكثر الحقوق أصالةً: الحق في الحياة.

لقد اعتادت البشرية أن تتحدث عن السيادة على الأرض والحدود والثروات والموارد، لكنها اكتشفت اليوم أن الامتحان الأصعب ليس بسط السيادة على الطبيعة، بل تجنب أن تتحول الطبيعة نفسها إلى قوة تفرض قوانينها على الإنسان والدولة والاقتصاد والمجتمع.

في السنوات الأخيرة، لم يعد التغير المناخي قضية مؤجلة إلى المستقبل، بل أصبح واقعاً يومياً. مدن تُخلى من سكانها، وغابات تتحول إلى رماد، ودرجات حرارة غير مسبوقة، وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات، وضغط متزايد على الأنظمة الصحية والطوارئ، حتى في أكثر الدول تقدماً من حيث التكنولوجيا والإدارة والموارد. هذه المشاهد لا تعني أن أوروبا وحدها تواجه الأزمة، بل تؤكد أن العالم بأسره دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها البيئة ملفاً قطاعياً، وإنما أصبحت الإطار الذي تتحدد في داخله قدرة المجتمعات على الاستمرار.

ورغم أن المجتمع الدولي لم يتوقف عن عقد قمم المناخ، وإبرام الاتفاقيات، وإصدار التقارير العلمية والتحذيرات المتكررة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين أصبحت ترجمة هذه الالتزامات على أرض الواقع؟ وهل نجحت الحكومات في تحويل التعهدات المناخية إلى سياسات عامة قادرة على الحد من الاحتباس الحراري، أم أن معظمها بقي أسير البيانات الختامية والخطط المؤجلة؟

إن المشكلة لم تعد نقصاً في المعرفة العلمية، فالعالم يمتلك من الدراسات والبيانات والنماذج المناخية ما يكفي لفهم حجم الخطر. كما أنها ليست أزمة تكنولوجية، فالتقنيات اللازمة للانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة باتت متوافرة إلى حد بعيد. إن جوهر الأزمة يكمن في فجوة متنامية بين المعرفة والقرار، وبين ما تقوله المؤسسات العلمية وما تنفذه السياسات العامة. إنها أزمة حوكمة بقدر ما هي أزمة مناخ.

واللافت أن الدول التي تقود الاقتصاد العالمي، وتمتلك أكبر القدرات العلمية والمالية، ما زالت تواجه صعوبة في الحد من الآثار المتسارعة للتغير المناخي، الأمر الذي يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كانت هذه الدول تكافح لاحتواء الأزمة، فكيف سيكون واقع الدول التي تعمل ضمن إمكانات مالية ومؤسساتية محدودة؟

لقد غيّر التغير المناخي مفهوم الأمن نفسه. فلم يعد الأمن مقتصراً على حماية الحدود أو مواجهة الأخطار العسكرية، بل أصبح يبدأ من الهواء الذي يتنفسه الإنسان، والمياه التي يشربها، والغابات التي تحفظ التوازن البيئي، والمناخ الذي يسمح باستمرار الحياة. وحين تختل هذه العناصر، تصبح كل السياسات الأخرى أقل قدرة على حماية الإنسان، مهما بلغت قوة الدولة أو حجم اقتصادها.

ومن هنا، لم تعد وزارة البيئة مجرد إدارة تُعنى بالمحميات الطبيعية أو بمكافحة التلوث، بل أصبحت، في معناها الحقيقي، حقيبة الوجود. فهي الوزارة المعنية بحماية الشروط التي تجعل الحياة الإنسانية ممكنة، وبصون الحقوق التي لا يمكن لأي دستور أو تشريع أن يضمنها إذا انهارت المنظومة البيئية التي تقوم عليها.

إن الاعتراف بالحق في بيئة سليمة لم يعد ترفاً تشريعياً، بل أصبح امتداداً طبيعياً للحق في الحياة، والحق في الصحة، والحق في الكرامة الإنسانية، وهي حقوق كرستها المواثيق الدولية والدساتير الوطنية على حد سواء. ومن دون بيئة آمنة، تصبح هذه الحقوق نصوصاً جميلة تعجز عن حماية الإنسان في واقعه اليومي.

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن البشرية استطاعت أن تطور الذكاء الاصطناعي، وأن ترسل بعثات إلى الفضاء، وأن تحقق قفزات علمية غير مسبوقة، لكنها ما زالت عاجزة عن بناء إرادة سياسية عالمية توازي حجم الخطر المناخي. فالمشكلة لم تعد في حدود العلم، بل في حدود القرار.

إن حماية البيئة لم تعد قضية تخص الناشطين البيئيين وحدهم، ولا شأناً إدارياً يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات الاقتصادية والسياسية، لأن كل أزمة اقتصادية مقبلة ستكون أشد وطأة في ظل بيئة منهكة، وكل نزاع على المياه أو الغذاء أو الموارد سيعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في العالم.

لقد آن الأوان لأن تنتقل الحكومات من إدارة الكوارث إلى إدارة المخاطر، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي، ومن الاكتفاء بالتعهدات الدولية إلى سياسات وطنية ملزمة تُقاس بنتائجها لا بخطاباتها. فالبيئة لم تعد بنداً في جدول أعمال الحكومات، بل أصبحت الإطار الذي تُبنى عليه جميع السياسات العامة.

وعندما تصبح الطبيعة قادرة على تعطيل الاقتصاد، وإرباك الأمن، وتهجير السكان، وتهديد الحق في الحياة، فإن السؤال لم يعد: كيف نحمي البيئة؟

بل أصبح: كيف نحمي الإنسان من عواقب تأخرنا في حمايتها؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك