قراءة لبنانية على ضوء فكر ابن خلدون

خاص بوابة بيروت

قال ابن خلدون إن الدول لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالتآكل من الداخل عندما تضعف العصبية الجامعة، ويتراجع الشعور بالمسؤولية، وتتحول السلطة من خدمة الناس إلى التسلط عليهم. وعندما يبتعد الحاكم عن هموم شعبه، تصبح الدولة جسداً قائماً وروحاً غائبة.

المواطن في أي دولة لا يرفض دفع الضرائب إذا رأى مدرسة تُبنى، ومستشفى يُجهّز، وطريقاً تُعبد، وفرصة عمل تحفظ كرامته. فالضريبة في جوهرها عقد شراكة بين الدولة والمواطن؛ يدفع المواطن جزءاً من ماله، وتؤمن له الدولة الأمن والخدمات والحياة الكريمة.

أما حين تتزايد الضرائب وتتراجع الخدمات، وحين يطلب من المواطن المزيد من التضحيات دون أن يرى أي مردود على أرض الواقع، فإن الأسئلة تصبح مشروعة ومؤلمة في آن واحد: لماذا أدفع؟ ولمن أدفع؟ وأين تذهب أموال الناس؟

في لبنان، يشعر كثيرون أن أعمارهم تمضي بين عملٍ متواصل وضرائب ورسوم وفواتير لا تنتهي، فيما أحلامهم البسيطة تكبر أكثر مما تكبر رواتبهم. يعمل الأب من أجل تعليم أولاده، ثم يجد نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط مقومات العيش الكريم. وتكافح الأم من أجل بيتها، فيما تتراجع قيمة تعبها أمام الأزمات المتلاحقة.

ليس مكتوباً على المواطن أن يعيش عمره كله في سباقٍ مع الفقر والحرمان. وليس قدراً أن يبقى يعمل حتى آخر رمق فقط ليؤمّن قوت يومه. فالدولة وُجدت لتخفف أعباء الناس لا لتضيف إليها أعباءً جديدة.
لقد علّمنا التاريخ أن قوة الدول لا تُقاس بحجم الضرائب التي تجمعها، بل بحجم الثقة التي تمنحها لشعوبها. فحين يشعر المواطن أن دولته عادلة، يصبح شريكاً في البناء.

أما حين يفقد ثقته بها، تبدأ المسافات بالاتساع بين الحاكم والمحكوم، وتبدأ علامات الضعف التي تحدث عنها ابن خلدون بالظهور.

إن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجباية بقدر ما يحتاج إلى رؤية، ولا إلى مزيد من الرسوم بقدر ما يحتاج إلى مشاريع إنتاجية وفرص عمل وتنمية حقيقية. فالأوطان لا تُبنى بالأرقام والضرائب وحدها، بل تُبنى بالعدالة والإنصاف واحترام كرامة الإنسان.

ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة اللبنانيين: متى يأتي اليوم الذي يشعر فيه المواطن أن الدولة تعمل من أجله، لا أنه يعمل طوال حياته من أجلها؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك