فسادٌ لا يُرى… لكنه يُحكِم الدولة

لبننةُ العراق وعرقنةُ لبنان

خاص بوابة بيروت

ليست المفارقة في أن العراق قد استنسخ، جزئيًّا، نموذج المحاصصة والفساد الذي ترسّخ في لبنان، بل في أن بعض المنظومة العراقية ما زالت تتعامل مع الفساد كفعلٍ بدائيٍّ يمكن تعقّبه، بينما تجاوزته التجربة اللبنانية إلى مستوى أكثر تطوّرًا وتعقيدًا: الفساد المُدار بالاختفاء لا بالظهور.

في لبنان، لم يعد السؤال: أين الأموال المنهوبة؟ بل: كيف يُمكن أصلًا إثبات وجودها في مسارٍ قانونيٍّ مباشر؟

الأموال لا تُكدَّس في المنازل، والعقارات لا تُسجَّل بأسماء السياسيين بشكلٍ فجّ، والشركات لا تحمل توقيعاتهم المباشرة. كل شيء يمر عبر طبقاتٍ من الواجهات، والأسماء المستعارة، والشركات الوسيطة، وشبكات قانونية ومحاسبية صُمِّمت خصيصًا لفصل الفعل عن الفاعل، والقرار عن المستفيد.

هنا، لا تعمل المنظومة على سرقة المال فحسب، بل على تعطيل إمكانية تتبّعه أيضًا. تصبح البنية القانونية نفسها جزءًا من آلية الإخفاء، ويُعاد تعريف “الملكية” و”المسؤولية” بما يسمح بتدوير النفوذ دون ترك أثرٍ مباشر.

وهكذا، لا يعود الفساد في لبنان مجرد انحرافٍ في السلطة، بل منظومةً متكاملةً لإدارة الغياب: غياب الدليل، وغياب الاسم، وغياب المسؤول.

المفارقة القاسية أن هذا “التعقيد” لم يُنتج دولةً أكثر قوة، بل دولةً أكثر استعصاءً على المحاسبة، حيث تتقدّم القدرة على الإخفاء على أي إصلاحٍ محتمل، وتصبح المساءلة نفسها معركةً ضد بنيةٍ مُصمَّمةٍ كي لا تُرى.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك