لبنان لا يحتاج إلى معجزة بل يحتاج إلى قرار

لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أمام نقاش واضح حول معنى الدولة ودورها ومسؤولياتها. والسؤال الحقيقي لم يعد، ماذا يريد هذا الحزب؟ وماذا يريد ذاك الزعيم؟ وماذا تريد هذه الطائفة؟

خاص بوابة بيروت

كلما تحدثنا عن لبنان، نتصرف وكأننا ننتظر معجزة.
معجزة اقتصادية تعيد أموال الناس، معجزة سياسية تنهي الانقسام، معجزة أمنية تمنع الحرب، معجزة دولية تأتي بالدعم، ومعجزة أخرى تعيد للبنان دوره ومكانته. لكن ماذا لو كانت المشكلة في مكان آخر؟
ماذا لو كان لبنان لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى قرار؟
قرار بأن تكون مصلحة الدولة فوق مصلحة الحزب، والطائفة، والزعيم، والمحور، والحسابات الانتخابية. قرار بأن يصبح الدستور والمؤسسات والقانون المرجعية التي يحتكم إليها الجميع، لا أن تصبح الدولة نفسها رهينة للتوازنات التي يفترض أن تحميها.

لبنان لم يكن يوماً فقيراً بالطاقات. لديه شعب متعلم، وقطاع خاص قادر على المنافسة، واغتراب منتشر في كل أنحاء العالم، وقطاع سياحي يستطيع أن ينهض بسرعة، وموقع جغرافي وثقافي لا يحتاج إلى تعريف.

لكن كل هذه المقومات لا تكفي إذا كانت الدولة عاجزة عن اتخاذ قراراتها في الوقت المناسب.

المشكلة ليست في غياب الإمكانات بل في غياب القرار والأرقام وحدها تكفي لإثبات حجم الكلفة.

بعد سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي منذ 2019، يقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد اللبناني انكمش بنحو 40% تراكمياً حتى نهاية 2024. وفي عام 2025 ظهرت مؤشرات على بداية تعافٍ هش، لكن تجدد الصراع في 2026 أعاد ضرب هذا المسار، ويتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026. هذه ليست مجرد أرقام في تقرير اقتصادي.

وراء كل نسبة هناك شركة أقفلت، وشاب غادر، ووديعة عالقة، وعائلة فقدت قدرتها الشرائية، ومستثمر قرر أن يضع أمواله في بلد آخر. والأخطر أن لبنان لا يستطيع أن يعيد بناء اقتصاده بينما لا يزال العالم ينتظر منه تنفيذ إصلاحات أساسية.

صندوق النقد الدولي قال في سبتمبر 2026 إن لبنان أحرز تقدماً في إصلاح قطاع المصارف، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة استكمال الإطار الخاص بالاستقرار المالي واسترداد الودائع، وإصلاح المالية العامة، ووضع إطار مالي متوسط الأجل يمكن أن يعيد الاستدامة المالية ويفتح المجال أمام الإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية.

بمعنى آخر، المشكلة لم تعد تحتاج إلى تشخيص جديد. الجميع يعرف أين الخلل. المطلوب هو القرار. القرار يبدأ من الدولة، فلا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد قوي من دون دولة قوية. ولا يمكن أن نتحدث عن استثمار من دون استقرار. ولا يمكن أن نتحدث عن استقرار من دون قرار سياسي وأمني واضح.

وهنا لا بد من التوقف عند التطور الأهم الذي شهده لبنان خلال المرحلة الأخيرة، انتقال مسألة حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم من كونها مجرد شعار سياسي إلى قرار معلن من مؤسسات الدولة.

في 2 آذار 2026، أعلنت الحكومة اللبنانية أن قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة، وقررت حظر النشاطات العسكرية والأمنية لحزب الله خارج المؤسسات الشرعية، مطالبة بتسليم السلاح إلى الدولة وحصر العمل السياسي بالأطر الدستورية والقانونية.

وقبل ذلك، كانت الحكومة قد أعلنت أن الجيش بدأ تنفيذ خطة لبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد السلطات الشرعية، فيما أكد الرئيس جوزاف عون أن قرار حصرية السلاح قرار لبناني داخلي، وأن حماية اللبنانيين وأراضيهم يجب أن تكون مسؤولية الدولة.

هذه ليست مسألة تفصيلية. هذه هي النقطة التي يبدأ منها بناء الدولة.
لأن الدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا تملك وحدها قرار الأمن، تبقى دولة ناقصة السيادة مهما كانت بياناتها قوية ومهما كانت مؤسساتها موجودة على الورق. لكن في المقابل، فإن حصرية السلاح لا تعني إعطاء أي طرف آخر شيكاً مفتوحاً.

السيادة تعني أيضاً أن حماية لبنان من الاعتداءات الخارجية مسؤولية الدولة، وأن الأراضي اللبنانية ليست ساحة مفتوحة لأي طرف، داخلياً كان أم خارجياً.

ولهذا فإن بناء الدولة لا يمكن أن يكون انتقائياً. لا سلاح خارج الدولة، ولا اعتداء على الدولة، ولا تدخل في قرارها، ولا استخدام للبنان كساحة لصراعات الآخرين، هذه هي المعادلة التي يحتاجها لبنان. لا يمكن أن نبني دولة بعقلية المحاور.

المشكلة اللبنانية ليست فقط في السلاح الذي هو أحد مظاهر مشكلة أكبر، من يملك القرار اللبناني؟

طالما بقيت المصلحة الوطنية قابلة للتفاوض أمام مصالح القوى السياسية والطائفية والمحاور الإقليمية، سيبقى لبنان يدور في الحلقة نفسها. كلما اقتربنا من بناء الدولة، ظهر من يقول إن الظروف ليست مناسبة، وكلما تحدثنا عن الإصلاح، قيل إن الأولوية هي السياسة، وكلما طالبنا بالسيادة، قيل إن الأولوية هي الأمن، وكلما طالبنا بالأمن، قيل إن الأولوية هي المقاومة.

وهكذا يصبح كل ملف مبرراً لتأجيل الملف الآخر، والنتيجة؟ لا دولة مكتملة، ولا اقتصاد سليم، ولا استقرار دائم.

لبنان لا يستطيع أن يبقى في هذه المنطقة الرمادية إلى الأبد. إما أن تكون هناك دولة تقرر وتحاسب وتحمي وتفاوض باسم جميع اللبنانيين، أو يبقى البلد معرضاً لأن يدفع ثمن قرارات لا يملك الجميع القدرة على اتخاذها أو منعها. الإصلاح ليس قانوناً فقط، هناك خطأ آخر يجب أن نتوقف عنده. نحن نتعامل أحياناً مع الإصلاح وكأنه مجموعة قوانين نمررها في مجلس النواب وتنتهي القصة. لكن الإصلاح الحقيقي أعمق بكثير. الإصلاح هو أن تصبح مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص. أن يصبح القانون أقوى من النفوذ. أن يصبح القضاء قادراً على القيام بدوره. أن تصبح المالية العامة شفافة. أن يعرف المودع كيف ستُعالج أمواله.

أن يعرف المستثمر أن قواعد اللعبة لن تتغير حسب الظروف السياسية. أن يعرف المواطن أن الكهرباء والمياه والنقل والتعليم والصحة ليست خدمات مرتبطة بالواسطة أو الانتماء.

وصندوق النقد الدولي نفسه يربط الخروج من الأزمة بإصلاح مصرفي ومالي شامل، وباستدامة الدين العام، وبإطار مالي واضح، وليس بإجراء منفرد أو حل مؤقت. لذلك، فإن إعادة بناء لبنان ليست مشروع سنة أو سنتين. إنها مشروع إعادة بناء الثقة.

والثقة لا تُطلب من اللبنانيين ولا من المستثمرين ولا من المجتمع الدولي. الثقة تُكتسب بالأفعال.

لبنان لا يحتاج من ينقذه بل من يقرر، ربما آن الأوان لأن نتوقف عن انتظار الخارج.

نعم، لبنان يحتاج إلى دعم عربي ودولي. نعم، يحتاج إلى تمويل لإعادة الإعمار. نعم، يحتاج إلى مساعدة الجيش ومؤسسات الدولة. والبنك الدولي قدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، مع حاجة كبيرة إلى تمويل عام وخاص.

لكن لا يمكن أن يأتي المال قبل القرار. ولا يمكن أن يأتي الاستثمار قبل الاستقرار. ولا يمكن أن يأتي الاستقرار قبل قيام الدولة.
ولا يمكن أن تقوم الدولة إذا بقي قرارها موزعاً بين الداخل والخارج.
لهذا، فإن المطلوب من اللبنانيين اليوم ليس أن يبحثوا عن المخلّص. المطلوب أن يتفقوا على ما يجب أن تكون عليه الدولة.
دولة واحدة. جيش واحد. قرار واحد. قانون واحد. ومصلحة وطنية واحدة.

قد نختلف بعدها على الاقتصاد، وعلى الضرائب، وعلى شكل الإنفاق، وعلى السياسات الاجتماعية، وعلى العلاقات الخارجية.

وهذا طبيعي في أي دولة ديمقراطية. لكن ما لا يمكن أن نختلف عليه هو من يملك القرار.

لبنان أمام فرصة، لكن الفرص لا تنتظر، المرحلة الحالية صعبة، وربما أكثر صعوبة مما نحب أن نعترف.

هناك حرب وتداعياتها، وإعادة إعمار، وأزمة مالية، ومصارف، وودائع، ودين عام، وفقر، وهجرة، وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة بناء.

لكن في الوقت نفسه، هناك فرصة. لأن لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أمام نقاش واضح حول معنى الدولة ودورها ومسؤولياتها.
والسؤال الحقيقي لم يعد، ماذا يريد هذا الحزب؟ وماذا يريد ذاك الزعيم؟ وماذا تريد هذه الطائفة؟

السؤال الذي يجب أن يصبح في قلب النقاش هو. ماذا يريد لبنان؟ ومن يقرر باسم لبنان؟
وأين تقف مصلحة الدولة عندما تتعارض مع مصالح القوى السياسية أو الحسابات الإقليمية؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً، هي جوهر الأزمة. ولذلك، لا أعتقد أن لبنان يحتاج إلى معجزة.

المعجزات لا تبني الدول، القرارات تفعل. قرار بأن تكون الدولة أولاً. قرار بأن تكون المصلحة الوطنية فوق الاصطفاف.

قرار بأن يكون السلاح حصراً في يد الدولة. قرار بأن يكون الإصلاح فعلاً لا شعاراً. قرار بأن تكون علاقات لبنان الخارجية مبنية على مصلحته الوطنية، لا على ارتباطاته بمحاور الآخرين. وقرار أخير، ربما هو الأصعب.

أن نتوقف عن البحث عمن نحمّله مسؤولية إنقاذ لبنان، ونبدأ بالبحث عما نستطيع نحن، كدولة ومؤسسات ومجتمع، أن نفعله لإنقاذه. لأن لبنان لا يحتاج إلى معجزة. لبنان وطننا جميعاً يحتاج إلى قرار. وعندما يصبح القرار لبنانياً، واضحاً، شجاعاً، ومؤسساتياً، قد نكتشف أن المعجزة التي كنا ننتظرها لم تكن معجزة أصلاً، كانت دولة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك