الجنرال الصامت…
على الجبهة الشمالية التي اشتعلت مجدداً كجزء من هذه الحرب الإقليمية، يرتبط اسم آيزنكوت مباشرة بـ "عقيدة الضاحية" التي صاغها إبان قيادته العسكرية؛ وهي الاستراتيجية التي تقوم على استخدام القوة التدميرية الهائلة وغير المتكافئة ضد البنى التحتية والمناطق الحاضنة لهجمات حزب الله...
خاص بوابة بيروت
في وقت تعيش فيه المنطقة تحت وطأة المواجهة العسكرية المباشرة وغير المسبوقة ضمن “حرب إيران 2026″، تأخذ الانتخابات الإسرائيلية الـ26 المرتقبة طابعاً مصيرياً؛ حيث يبرز حزب “ياشار – Yashar” بزعامة رئيس الأركان الأسبق، غادي آيزنكوت، كمنافس شرس لحزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو. صعود آيزنكوت في استطلاعات الرأي لا يعيد تشكيل التوازنات السياسية الداخلية فحسب، بل يطرح رؤية مختلفة وحاسمة لكيفية إدارة الحرب المستعرة مع طهران وحلفائها، وتحديداً بعد جولات القصف الإيراني الصاروخي الذي ضرب العمق الإسرائيلي، والتدخل العسكري الأمريكي المباشر في المعركة.
يمثل آيزنكوت تيار “اليمين الأمني” الإسرائيلي، الذي يبتعد عن الخطابات الشعبوية ويفضل الاستراتيجيات المؤسسية الصارمة. وفيما تخوض إسرائيل حرب استنزاف متعددة الجبهات، يرى آيزنكوت أن إدارتها تتطلب الانتقال من العمليات الموضعية إلى حسم عسكري منسق بشكل وثيق مع الحليف الأمريكي.
من “المواجهة الحالية” إلى استراتيجية “منطقة القتل النووية”
في ظل استمرار الحرب والدعم العسكري الأمريكي المباشر في قصف المنشآت الإيرانية، لا يرى آيزنكوت في المقاربة الحالية لنتنياهو حلاً نهائياً لإنهاء التهديد. وبدلاً من جولات القتال المتقطعة، يقترح خطة بالغة الصرامة تُعرف بـ “منطقة القتل – Kill Zone”؛ وهي استراتيجية يسعى لاعتمادها رسمياً مع البنتاغون، وتقضي بفرض حصار ومراقبة جوية أمريكية-إسرائيلية دائمة وفوق منشآت التخصيب الإيرانية، مع التزام عسكري فوري بتدميرها بالكامل عند رصد أي تحرك للمواد النووية.
هذه الرؤية تعتمد بالأساس على استغلال الانخراط الأمريكي الحالي في الحرب لترميم أي فجوات دبلوماسية خلفتها سياسات نتنياهو مع البيت الأبيض، مستنداً إلى شبكة علاقاته الوثيقة مع القيادات العسكرية في واشنطن لبناء جبهة دولية صلبة تفرض شروطها في أي تسوية شاملة لإنهاء الحرب.
جبهة لبنان وعقيدة “الضاحية”
على الجبهة الشمالية التي اشتعلت مجدداً كجزء من هذه الحرب الإقليمية، يرتبط اسم آيزنكوت مباشرة بـ “عقيدة الضاحية” التي صاغها إبان قيادته العسكرية؛ وهي الاستراتيجية التي تقوم على استخدام القوة التدميرية الهائلة وغير المتكافئة ضد البنى التحتية والمناطق الحاضنة لهجمات حزب الله.
ويرى المحللون أن وصول آيزنكوت إلى رأس السلطة سيعني تفعيل هذه العقيدة بشكل أوسع وبخطط عسكرية شاملة أقل تطلباً للبروباغندا السياسية وأكثر تركيزاً على الفعل الصادم. وفي المقابل، يطرح رؤية لفرض واقع جديد في سوريا عبر تعديل اتفاقية فض الاشتباك، مشترطاً الانسحاب الكامل والنهائي لكافة القوات الأجنبية (الإيرانية، والروسية، والتركية) كجزء من أي تهدئة إقليمية.
ترتيبات غزة ومعارضة “حل الدولتين”
على الصعيد الفلسطيني، يتبنى آيزنكوت موقفاً حازماً يرفض خيار “حل الدولتين” معتبراً إياه خطراً استراتيجياً يهدد أمن إسرائيل في بيئة إقليمية متفجرة. وفيما يخص قطاع غزة، يعارض فكرة إعادة الاستيطان اليهودي التي يطرحها أقطاب اليمين المتطرف، ويدفع بدلاً من ذلك نحو تشكيل إدارة تكنوقراط فلسطينية (بمعزل عن حماس) لإدارة الشؤون المدنية، مع بقاء السيطرة والرقابة الأمنية المطلقة للجيش الإسرائيلي وبدعم من تحالف عربي ودولي.
الشارع الإسرائيلي: تأييد للمؤسسة العسكرية وخوف من الحرب الشاملة
على الرغم من الزخم الذي يحظى به آيزنكوت في استطلاعات الرأي، ينقسم الشارع الإسرائيلي المنهمك من تداعيات الحرب المستمرة:
- المؤيدون : يرون في آيزنكوت كقائد عسكري سابق “طوق نجاة” قادراً على إدارة العمليات الحربية بعقلية استراتيجية منظمة، وترميم التنسيق العسكري مع واشنطن بعيداً عن المناكفات السياسية.
- المتخوفون ويمين العقائدي : في المقابل، يواجه انتقادات من جمهور اليمين العقائدي الذي يرى في طروحاته للفصل الإداري في الضفة ورفض الاستيطان بغزة تنازلات غير مقبولة. كما تبدي فئات شعبية واقتصادية قلقها من أن تؤدي خطته الطموحة ضد إيران إلى تمديد أمد الحرب وتحويلها إلى صراع إقليمي مدمر لا ينتهي، مما يزيد من كلفة الخسائر البشرية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الإسرائيلي بالفعل جراء القصف والاضطرابات المستمرة.
خلاصة القول، إن صعود غادي آيزنكوت المحتمل لدفة الحكم لن يهدئ من روع الحرب الحالية؛ بل سينقل الصراع مع إيران وحزب الله إلى مربع جديد تحكمه عقلية هيئة الأركان المشتركة: خطط عسكرية بالغة الصرامة، وتنسيق استخباري عالي الكفاءة، وغطاء أمريكي كامل لإدارة المعركة حتى نهايتها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير