من الوساطة إلى إدارة الأزمة : ماذا تكشف قمة طهران الرباعية عن مستقبل المواجهة مع إيران؟

اللافت في هذه القمة أن الدول الثلاث المشاركة تنتمي إلى إطار «ميثاق مكة» الذي تشكل أساساً في سياق مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية، بما فيها تلك المرتبطة بوكلاء طهران. ومع ذلك، اختارت هذه الدول الانتقال من موقع الاصطفاف الأمني إلى موقع الوساطة السياسية، ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى العواصم الإقليمية بأن الحرب الشاملة لن تخدم مصالح أحد...

خاص بوابة بيروت

جاءت القمة الرباعية التي استضافتها طهران بمشاركة السعودية وتركيا وباكستان في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، فيما تتزايد المؤشرات على وجود حراك دبلوماسي مكثف لمنع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة جديدة.

اللافت في هذه القمة أن الدول الثلاث المشاركة تنتمي إلى إطار «ميثاق مكة» الذي تشكل أساساً في سياق مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية، بما فيها تلك المرتبطة بوكلاء طهران. ومع ذلك، اختارت هذه الدول الانتقال من موقع الاصطفاف الأمني إلى موقع الوساطة السياسية، ما يعكس إدراكاً متزايداً لدى العواصم الإقليمية بأن الحرب الشاملة لن تخدم مصالح أحد.

المعطيات المتوافرة تشير إلى أن الاجتماع لم يكن موجهاً نحو تحقيق تسوية نهائية بين طهران وواشنطن، بل نحو إنشاء قناة تواصل تمنع الانفجار. وتفسر هذه الحقيقة طبيعة البيان الختامي المقتضب وغياب أي اتفاقات تنفيذية أو التزامات محددة. فالاجتماع كان أقرب إلى اختبار إمكانات التفاهم منه إلى إعلان اختراق سياسي.

كما أن غياب محمد باقر قاليباف، الذي يوصف داخل النظام بالمشرف على ملف التفاوض، والاكتفاء بإسناد إدارة الاجتماع إلى محسن رضائي بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، يكشف أن الملف ما زال محكوماً بحسابات أمنية أكثر من كونه تحولاً سياسياً ناضجاً نحو التسوية. فالنظام يبدو راغباً في إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض دون أن يتحمل سياسياً كلفة الاعتراف بالحاجة إليه.

لكن قراءة المشهد من زاوية الحرب والمفاوضات وحدها تبقى ناقصة. فالعامل الأكثر تأثيراً قد لا يكون ما يجري بين طهران وواشنطن، بل ما يتفاعل داخل المجتمع الإيراني نفسه. ويظهر من تصريحات قادة النظام وتركيزهم المتكرر على «الوحدة الوطنية» و«الانسجام الداخلي» أن القلق الحقيقي يتجاوز مخاطر الحرب إلى مخاطر الانفجار الاجتماعي.

فإيران تواجه أزمة معيشية متصاعدة، وارتفاعاً في معدلات البطالة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، واستمراراً لسياسة الإعدامات والقمع. والمشكلة بالنسبة للسلطة ليست وجود هذه الأزمات منفردة، بل احتمال تلاقيها ضمن موجة احتجاجية واسعة يصعب احتواؤها.

وفي هذا السياق، ترى قوى المعارضة الإيرانية، وفي مقدمتها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق، أن الاحتجاجات الاجتماعية وحملات رفض الإعدامات ونشاط وحدات المقاومة تشكل مؤشرات على استمرار حالة الغليان داخل البلاد. وتعتقد هذه القوى أن أي تفاقم اقتصادي إضافي يمكن أن يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاحتجاجات المنظمة.

لذلك تبدو المعضلة الأساسية للنظام أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين الحرب والسلام. فاستمرار التوتر يفاقم الأزمات الاجتماعية، بينما قد يؤدي أي اتفاق أو تهدئة إلى إعادة المطالب السياسية والاقتصادية إلى الواجهة. وهكذا يجد النظام نفسه محاصراً بين ضغوط الخارج ومخاوف الداخل، في معادلة تجعل إدارة الأزمة أسهل من حلها، لكنها لا تجعلها قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك