العراق وسورية ولبنان : من ذاكرة الدم إلى شراكة المصالح وممرات الطاقة “2”

زيارة بغداد إلى دمشق تفتح نافذة استراتيجية لإعادة رسم خريطة الاقتصاد الإقليمي... فهل يكون لبنان شريكاً أم يبقى خارج المعادلة؟

خاص بوابة بيروت

رابعاً: من كركوك إلى بانياس وطرابلس… خريطة اقتصادية جديدة

يمتلك العراق مصلحة استراتيجية في الوصول إلى البحر المتوسط عبر مسارات متنوعة، وتملك سورية موقعاً جغرافياً يؤهلها للقيام بدور مهم في نقل النفط والبضائع بين العراق والأسواق الإقليمية والدولية.

ويبرز في هذا السياق مشروع خط كركوك–بانياس، الذي يمكن أن يشكل، إذا أُعيد تأهيله وثبتت جدواه الاقتصادية، أحد الخيارات المهمة لتنويع منافذ تصدير النفط العراقي.

لكن الأهمية لا تتوقف عند سورية، إذ يمكن أن يمتد التفكير الاستراتيجي إلى لبنان، وتحديداً مرفأ طرابلس، بما يملكه من موقع على البحر المتوسط وإمكانات قابلة للتطوير في مجالات الشحن والتخزين والخدمات اللوجستية.

وقد طُرحت أفكار لدراسة مسارات تربط النفط العراقي بالساحل اللبناني، سواء عبر تطوير خطوط قائمة أو إنشاء وصلات جديدة. غير أن تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع فعلية يحتاج إلى دراسات فنية واقتصادية دقيقة، وتحديد كلفة البنية التحتية، وقدرات الموانئ، ومتطلبات النقل والتخزين، والضمانات القانونية والاستثمارية.

فلا يكفي وجود خط نفطي قديم أو ميناء بحري على الخريطة للقول إن المشروع أصبح جاهزاً للتنفيذ. المطلوب هو تقييم واقعي للمسارات، وتحديد جدواها، وتوزيع المسؤوليات والعوائد والمخاطر بين الدول المعنية.

ومع ذلك، فإن الفرصة تستحق أن تتحول إلى مشروع استراتيجي جدي.

يمكن تصور شبكة اقتصادية تنطلق من حقول النفط العراقية، وتعبر الأراضي السورية، وتصل إلى موانئ البحر المتوسط، مع إمكان ربطها بخدمات النقل البري والسككي، ومراكز التخزين والتوزيع، والمناطق الصناعية واللوجستية.

وفي هذه الحالة، لن تكون سورية مجرد ممر عبور، ولن يكون لبنان مجرد محطة بحرية إضافية، بل سيصبح البلدان شريكين في منظومة اقتصادية قادرة على توليد إيرادات جديدة، واستقطاب الاستثمارات، وخلق فرص عمل.

كما أن تنويع المسارات لا يعني حصر الخيارات العراقية بسورية ولبنان؛ فالمسارات عبر تركيا وغيرها تبقى جزءاً من الحسابات الاستراتيجية. إنما تكمن القيمة في تعدد الخيارات، وتقليل الاعتماد على منفذ واحد، وبناء شبكة إقليمية مرنة تستطيع التكيف مع الأزمات.

فالنفط لا يحتاج إلى آبار فقط، بل إلى أنابيب ومرافئ وطرق واتفاقات مستقرة. والتجارة لا تصنعها الجغرافيا وحدها، بل تصنعها الدول التي تعرف كيف تستثمر جغرافيتها.

خامساً: لبنان وطرابلس وعكار… فرصة يجب ألا تضيع

هنا تحديداً، ينبغي أن يتوقف اللبنانيون أمام السؤال الأهم: كيف يمكن للبنان أن يستفيد من التحولات الجارية بدلاً من أن يبقى متفرجاً على إعادة رسم خريطة الاقتصاد الإقليمي؟

لقد دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة الأزمات المتلاحقة، والفساد، والانهيار المالي، وتعطيل مؤسسات الدولة، وارتهان القرار الوطني لصراعات تتجاوز مصالح اللبنانيين.

وفي المقابل، يمتلك لبنان موقعاً جغرافياً مميزاً على البحر المتوسط، ومرفأ طرابلس، وطاقات بشرية وخدماتية، وقرباً من الأسواق السورية والعراقية. وهي عناصر يمكن أن تشكل أساساً لدور اقتصادي متجدد إذا اقترنت بالإصلاح والاستقرار والتخطيط.

إن تطوير مرفأ طرابلس، وربطه بشبكات نقل بري وسككي قابلة للتنفيذ، وتحسين الطرق المؤدية إلى الحدود السورية، وتحديث الإجراءات الجمركية، وإنشاء مناطق لوجستية ومستودعات ومراكز خدمات، يمكن أن يعيد وضع شمال لبنان على خريطة التجارة الإقليمية.

وهنا تبرز عكار، التي عانت طويلاً من الحرمان وضعف الاستثمار وغياب المشاريع الإنمائية الكبرى.

فموقع عكار الحدودي، وقربها من المعابر البرية، وطاقاتها الزراعية والبشرية، يمكن أن يجعلها جزءاً من دورة اقتصادية جديدة، تقوم على الخدمات اللوجستية والتجارة والصناعات الغذائية والنقل، وتربط الإنتاج المحلي بالأسواق الخارجية.

لكن ذلك لن يتحقق بالشعارات ولا بالوعود الانتخابية، بل بخطة واضحة تحدد المشاريع والأولويات والتمويل والجدول الزمني والمسؤوليات.

وعلى الدولة اللبنانية أن تبدأ من الآن بإعداد الدراسات اللازمة، وتقييم قدرة مرفأ طرابلس على استيعاب أنشطة إضافية، وتحديد احتياجات الطرق والنقل والتخزين، وفتح قنوات تفاوض رسمية مع العراق وسورية، بما يضمن أن تكون أي مشاريع مستقبلية مبنية على أسس اقتصادية وقانونية واضحة.

ولا يجوز أن يبقى الشمال منطقة تُستدعى عند الانتخابات، أو تُذكر في الخطابات بوصفها منطقة محرومة، ثم تُترك خارج خطط التنمية والاستثمار.

إن طرابلس وعكار ليستا عبئاً على الدولة، بل يمكن أن تكونا جزءاً من الحل الاقتصادي إذا أحسنت الدولة استثمار موقعهما وإمكاناتهما.

إن المطلوب ليس انتظار مرور النفط العراقي عبر لبنان، بل بناء بنية اقتصادية قادرة على استقطاب التجارة والاستثمار، سواء تحقق مشروع النفط أم تأخر.

سادساً: من تصدير النفط إلى التكامل الاقتصادي الثلاثي

إن اختزال مستقبل العلاقات العراقية السورية اللبنانية في نقل النفط سيكون خطأ استراتيجياً. فالنفط يمكن أن يكون نقطة البداية، لكن التكامل الاقتصادي أوسع بكثير.

يمكن للدول الثلاث أن تطور تعاونها في ستة مجالات أساسية:

1. الطاقة: دراسة إعادة تأهيل خطوط الأنابيب القائمة، وبحث إنشاء خطوط جديدة عند ثبوت جدواها، وتطوير مرافق التخزين والتكرير والتوزيع، بما يحقق مصالح الأطراف الثلاثة.

2. النقل والمرافئ: تطوير المرافئ وشبكات النقل البري والسككي، وتحسين الإجراءات الجمركية، وإنشاء مناطق لوجستية تسهّل انتقال البضائع وتخفض كلفة التجارة.

3. الزراعة والأمن الغذائي: تنسيق الإنتاج الزراعي، وتطوير الصناعات الغذائية، وتسهيل التبادل التجاري، وفتح أسواق جديدة أمام المزارعين والمنتجين.

4. الصناعة والاستثمار: إقامة شراكات صناعية تستفيد من الموارد العراقية، والموقع السوري، والإمكانات اللبنانية في الخدمات والأعمال والخبرات البشرية.

5. الأمن والاستقرار: تنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، وتأمين الحدود والممرات التجارية، وحماية المشاريع الاستثمارية من المخاطر الأمنية.

6. الحوكمة والشفافية: إخضاع المشاريع الكبرى للمناقصات التنافسية والرقابة المالية، ونشر العقود والتكاليف والالتزامات، ومنع تحولها إلى مشاريع للمحاصصة والفساد.

ولكي لا يبقى هذا التصور في إطار الأمنيات، يمكن إطلاق مبادرة اقتصادية ثلاثية تبدأ بتشكيل لجنة فنية مشتركة، تتولى إعداد خريطة للمشاريع ذات الأولوية، وتحديد كلفة كل مشروع ومصادر تمويله والعائد المتوقع منه.

ويكون من أولوياتها إعداد دراسة جدوى لممر تجاري ولوجستي يربط العراق بالبحر المتوسط عبر سورية، مع تقييم إمكانات الربط بمرفأ طرابلس، ومقارنة هذا الخيار بالمسارات البديلة من حيث الكلفة والقدرة التشغيلية والمخاطر.

كما ينبغي وضع جدول زمني واضح، وتحديد الجهات المسؤولة، وإخضاع النتائج للرقابة والمحاسبة، حتى لا تتحول المشاريع إلى عناوين براقة بلا تنفيذ.

إن ما تحتاج إليه المنطقة ليس مزيداً من الاتفاقات النظرية، بل مشروعات عملية تحوّل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية، والسياسة إلى فرص تنمية.

سابعاً: لا اقتصاد مستداماً من دون دولة قوية

تبقى كل هذه الفرص رهينة سؤال أساسي: من يملك القرار؟

لا يمكن بناء شراكة اقتصادية مستقرة إذا ظلت الجماعات المسلحة قادرة على تعطيل الحدود أو تهديد الممرات التجارية أو فرض شروطها على الحكومات.

ولا يمكن جذب الاستثمارات طويلة الأجل في بيئة لا تضمن سيادة القانون، واستقرار العقود، وحماية المستثمرين، وشفافية إدارة الموارد العامة.

إن مصلحة العراق تكمن في تعزيز سلطة الدولة على السلاح والحدود والموارد والقرار السياسي. ومصلحة سورية تكمن في بناء مؤسسات مستقرة، وتثبيت الأمن وسيادة القانون، ومنع إعادة إنتاج التجارب التي دمّرت البلاد. أما لبنان، فلا يستطيع استعادة دوره الاقتصادي والإقليمي من دون استعادة قراره الوطني، وحصر السلاح بيد الدولة، وإصلاح مؤسساته، ووضع حد للفساد والمحاصصة.

وهذه ليست مسائل سياسية منفصلة عن الاقتصاد، بل شروط أساسية لنجاحه.

فالمستثمر لا يبحث عن الميناء وحده، بل عن الأمن والقانون. وشركات الطاقة لا تنظر إلى خط الأنابيب وحده، بل إلى مخاطر الحرب والتعطيل والابتزاز. والتجارة لا تزدهر عندما تصبح الطرق والمنافذ رهينة قرارات جماعات مسلحة خارج المؤسسات الشرعية.

من هنا، فإن التقارب العراقي السوري يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة في المنطقة، شرط أن يقوم على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون الأمني والاقتصادي، بعيداً عن مشاريع الهيمنة وتصفية الحسابات.

فالدولة ليست مجرد علم وحدود ومؤسسات شكلية؛ الدولة هي صاحبة القرار، والمرجعية القانونية، والجهة الوحيدة المخولة حماية المجتمع وإدارة مصالحه.

ثامناً: من ذاكرة الدم إلى شراكة المصالح

لقد دفعت شعوب العراق وسورية ولبنان أثماناً باهظة نتيجة الحروب والتدخلات الخارجية والصراعات المسلحة والانقسامات الداخلية.

وآن الأوان لتحويل هذه التجارب إلى درس سياسي واقتصادي واضح: لا يمكن لأي دولة أن تبني مستقبلها وهي رهينة صراعات الآخرين، ولا يمكن لأي شعب أن يحقق الاستقرار فيما قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته الشرعية.

إن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق قد تفتح بداية مسار جديد، لكنها ليست ضمانة بحد ذاتها. فالعبرة ستكون في الاتفاقات التي تليها، وفي ما يتحقق على الأرض من تعاون أمني واقتصادي، ومشاريع قابلة للتنفيذ، ومنافع ملموسة للشعوب.

أما لبنان، فلا يجوز أن يكتفي بمراقبة التقارب العراقي السوري من بعيد. عليه أن يبادر إلى طرح نفسه شريكاً في مشروع إقليمي متكامل، يستثمر موقعه الجغرافي ومرافئه، ويعيد الاعتبار إلى طرابلس وعكار والشمال، ويحّول الحرمان المزمن إلى فرصة تنموية حقيقية.

إن المطلوب ليس إنشاء محور جديد في مواجهة محور آخر، ولا استبدال تبعية بأخرى، بل بناء شبكة مصالح تحميها الدول والقوانين والمؤسسات، وتستفيد منها الشعوب الثلاثة.

العراق يحتاج إلى منافذ آمنة ومتنوعة لتصدير موارده، وسورية تحتاج إلى إعادة الإعمار واستعادة دورها الاقتصادي، ولبنان يحتاج إلى استثمار موقعه وإعادة بناء اقتصاده ودولته.

وما يجمع هذه المصالح أكبر بكثير مما تفرقه الحسابات الضيقة.

إنها فرصة للانتقال من اقتصاد الحروب إلى اقتصاد المصالح، ومن سياسة الميليشيات إلى سيادة الدول، ومن الحدود التي تفصل الشعوب إلى الممرات التي تربطها.

العراق وسورية ولبنان ليسوا مجرد جيران على الخريطة، بل دول يمكنها بناء مساحة اقتصادية متكاملة، شرط أن يكون القرار للدولة، والقانون مرجع الجميع، والمصلحة الأولى لشعوبها.

فالدولة القوية تصنع الشراكات، أما الميليشيات فلا تصنع إلا الحروب.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك