شوقي أبي شقرا حيث الهمزة على الألف

هذا الذي اشتغل على تحرير المخيّلة من المألوف، يستحقّ ذاكرةً أكثر تحرّرًا من المألوف أيضًا؛ ذاكرة لا تنتظر مناسبةً كي تستعيده، ولا تحتاج إلى إملاءاتٍ كي تعترف بفرادته...

–

كنتُ مأخوذًا على الدوام بلغة شوقي أبي شقرا (1935-10 تشرين الأوّل 2024)، وأسلوبه، وطريقته في صناعة الكتابة. وإذا كان ذلك لم يحملني يومًا على أنْ أكون على مذهبه، فإنّه لا يجعلني أتردّد في تظهير مكانته الشعريّة الفريدة، وتعيين مساهمته الجوهريّة في حركة الحداثة اللبنانيّة والعربيّة.

بعد عامين على غيابه، أجدني معنيًّا بمواصلة إشهار هذا الرأي، وقد كنتُ في وقتٍ مبكرٍ جدًّا (العام 1984) أحد الأوائل الذين أدخلوا شعره إلى أعلى المنابر الجامعيّة، من خلال دراسة أكاديميّة، معجميّة تحليليّة، حول ديوانه “سنجاب يقع من البرج”، كانت جزءًا من أطروحةٍ نلت عليها شهادة الدكتوراه في جامعة القدّيس يوسف للآباء اليسوعيّين في بيروت.

وإذا كان ليس ثمّة لزوم البتّة لـ”أيقنة” أيّ شاعرٍ وكاتب، فالتقدير لمَن يستحقّ، وكذا الاحترام والوفاء، ضروراتٌ بل واجباتٌ لا يجوز التنصّل منها. ذلك ينبغي أنْ ينطبق لا فحسب على انحياز أحدنا إلى نوع محدّد من الشعر، بل على الشعر المستحقّ مطلقًا، أيًّا يكن اتجاهه، وأيًّا يكن الهوى الشخصيّ.

التقدير، إذًا، لشوقي أبي شقرا ولشعره، والاحترام والوفاء، مسلّماتٌ دامغةٌ لا يُشَقّ لها غبار.

وها “معهد العالم العربيّ” في باريس، يكرّمه في الحادي والثلاثين من الجاري، وليس اعتباطًا أنْ أردّد على طريقتي قوله الشعريّ في أنّه الراعي الصالح، وقطيعه الضمّة والفتحة والكسرة، إلحاحًا منّي على وجوب أنْ تحزم مؤسّساتنا الثقافيّة والجامعيّة الرسميّة والخاصّة أمرها فتجعل لكتّابنا وشعرائنا كراسيَ محترمة ووقورة، وأن يعكف البحّاثة بتهيّب على وضع الدراسات الوقورة، مثلما تفعل الدول المحترمة بصانعي مجدها الأدبيّ.

يعنيني التركيز على أهمّيّة احترام الذاكرة، محذّرًا من هول تهميشها. فالمسألة، كما أراها، هي سؤال عن ذاكرة الحركة الشعريّة العربيّة الحديثة، وعن قدرتها، اليوم وغدًا، على التعرّف إلى من صنعوا تحوّلاتها العميقة.

هذا الشاعر ليس يُختزل في تاريخ ولادته ووفاته، ولا في أسطرٍ تستعيد اسمه في ذكرى رحيله. إنّه صاحب تجربة شعريّة ذات فرادة استثنائيّة، ساهمت في تغيير علاقة القصيدة العربيّة باللغة والصورة والمخيّلة والأشياء. فهو فتح للشعر أبوابًا لم تكن مألوفة، وأقام في اللغة منطقةً تخصّه، تتجاور فيها غرابة العالم وبراءة الأشياء وسخرية الخيال، ويتحرّر فيها الشعر من كثير من القواعد التي أرادت أن تضبطه وتحدّد له طرقه.

ولا تنفصل مكانته عن دوره في الحياة الثقافيّة اللبنانيّة والعربيّة، وعن حضوره في “الثريّا”، ومجلة “شعر” و”خميسها”، وفي الصحافة الثقافيّة، وخصوصًا مساهمته الجليلة في فتح المجال أمام أجيال من الشعراء والكتّاب اللبنانيّين والعرب المشارقة والمغاربة. ولا أكون أتشاوف أنّه استدعاني في العام 1974 إلى مكتبه في “النهار”، مذ كنتُ على مقاعد الجامعة، ليتعرّف إليَّ، بعدما كنتُ أبعث إليه بنصوصي الأولى مع مراسل الجريدة في الجامعة.

كان شوقي شاعرًا، وكان أيضًا جزءًا من الحياة التي جعلت الشعر قضيّة ثقافيّة، لا مجرّد كتابة فرديّة.

هذا الذي اشتغل على تحرير المخيّلة من المألوف، يستحقّ ذاكرةً أكثر تحرّرًا من المألوف أيضًا؛ ذاكرة لا تنتظر مناسبةً كي تستعيده، ولا تحتاج إلى إملاءاتٍ كي تعترف بفرادته.

إنّ إهمال شاعر ليس دليلًا على ضآلته، بل قد يكون دليلًا على ضآلة الذاكرة الثقافيّة التي يُفترض أن تحفظ أثره. وليس المطلوب أن “نؤيقن” شوقي أبي شقرا، ونرفعه إلى مرتبة لا يبلغها النقد، بل أنْ نعيد قراءة تجربته قراءة تليق بما أنجزه، ونضعها في مكانها الحقيقيّ من تاريخ الشعر العربيّ الحديث، فهو “الراعي الصالح”، وموقعه حيث الهمزة على الألف!

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك