سوريا الأكبر استفادة من فراغ إيران : قراءة استراتيجية لما بعد انهيار نظام الملالي

بقلم ياسين الحريري – خاص بوابة بيروت

كتبتُ بالأمس أن أكثر المستفيدين من هذه الحرب الدائرة في هذه الأيام المباركة هي سوريا. استهجن البعض ما كتبتُ، وذهب إلى القول إن إسرائيل هي المستفيد الأكبر. لا أنكر عليه استهجانه، لكن إسرائيل ليست وحدها في المنطقة، ووفق قراءتي السياسية وتحليلي للأحداث التي بدأت منذ أكثر من عام، تبيّنتُ هذه الفرضية.

قبل أسابيع ذكرتُ في منشوراتي مصطلحات: “حيتان السنّة”، و”الأمن الاقتصادي”، و”السلام الاقتصادي”، كما أشرتُ إلى أن هناك إعادة رسم للإقليم.

ماذا بعد انهيار نظام الملالي؟ 

لا شك أن انهيار دولة أو نظام كبير مثل إيران لا يُعدّ مجرد حدث عابر في تاريخ البشرية. شهدنا جميعًا انهيار الاتحاد السوفيتي وما أحدثه من خلل في ميزان النظام العالمي، إذ سقطت دول وانهارت، وبرزت دول أخرى، وانتقل العالم من نظام ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، وهيمنت الولايات المتحدة الأميركية على القرار العالمي بمساندة دول من القارة العجوز.

انهيار نظام طهران، في هذا السياق، يعني سقوط ركيزة أساسية في إقليمنا. اختلال هذه الركيزة في ميزان النظام العالمي يفتح الباب أمام صراعات وتوازنات جديدة. انهيارها بكل شرورها وامتداداتها يؤدي إلى فراغ في توازنات الإقليم، نظرًا إلى أن إيران كانت لها خطوة كبيرة في الهيمنة على بعض مفاصله.

السؤال المطروح، من سيملأ هذا الفراغ؟

هل هي دول كبرى من خارج الإقليم، لمنع انتشار الفوضى أو لتأمين مصالحها؟ التركة التي خلّفها نظام الملالي ونظام الأسد ثقيلة جدًا، ولا يمكن لقوى كبرى عابرة للحدود أن تكون أدرى بشعاب هذا الإقليم من أهله.

أم هي قوى إقليمية صاعدة خرجت من رحم المعاناة؟

الحرب الدائرة، يا سادة، ليست حربًا عادية تنتهي بجولة عسكرية واحدة. إنها نهاية حقبة من الحضور الديني والعسكري، ونهاية تنظيمات مؤدلجة ومشاريع عابرة للحدود ستجد نفسها أمام واقع جديد، وستخضع لإعادة تقييم قاسية.

المنطقة تتجه نحو نظام إقليمي جديد، تتقدّم فيه الحسابات الأمنية على الشعارات الدينية والقومية الزائفة التي سادت خلال العقود الثلاثة الماضية، وتوزَن فيه الحركات بميزان المصالح.

اليوم الثاني من سقوط النظام أهم من لحظة السقوط.

التجربة العراقية ما زالت حاضرة في الذاكرة. فراغ السلطة يولّد فراغًا أمنيًا، والفراغ الأمني يجذب السلاح والفوضى، بالتزامن مع وجود أعداد من المقاتلين المدرّبين، ويفتح الباب أمام احتمالات صعبة إن لم تُدر المعركة بوعي.

أتكلم هنا بصفتي سوريًا

اليوم تقف سوريا ودول الإقليم أمام امتحان صعب يحتاج إلى هدوء، وحسن تقدير للحساب، ودقّة في الخطوات السياسية. السياسة لا تُرسم بالخطابة والظهور الإعلامي، بل بقراءة الواقع السياسي الخارجي والداخلي، وتقديم الاستقرار الداخلي على كل اعتبار، لما فيه مصلحة شعوب المنطقة.

كيف لسوريا أن تكون قادرة على سد هذا الفراغ؟

سوريا تحتاج إلى تحصين داخلي ووحدة صف، عبر عقد سياسي واجتماعي واضح، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف، وبسط السيطرة على كامل الأراضي السورية، وتغليب منطق الدولة على منطق الانفعال.

تحتاج إلى تكريس الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتعزيز القدرة العسكرية عبر فرض الأمن والاستعداد لحماية البلاد من أي تدخلات خارجية، وإقامة تحالفات قوية مع دول الإقليم، وتصفير المشكلات مع دول الجوار.

في ختام هذا الاستقراء السياسي، أقول إن الدول الكبرى تبحث عن شريك قوي لملء هذا الفراغ. هل نحن أقوياء بما يكفي؟ نعم، لكن الرهان الأكبر في هذه المعادلة هو على الشعوب، حين تحسن إدارة تنوّعها، وتبني مؤسساتها بشكل صحيح، وتقف في الصف الأول مع جيشها وحكومتها. عندها تكون قادرة على ملء الفراغ الذي سيخلّفه نظام الملالي، وتكون أكبر المستفيدين من سقوطه.

التحالفات تتبدّل، والخرائط يُعاد رسمها، أما الشعوب الحيّة فتجد طريقها نحو النهوض. اللحظة دقيقة، ومن يحسن قراءتها يضع لنفسه مكانًا في المستقبل.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com