خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
في مشهدٍ يصلح أن يكون حلقةً تجريبية من مسلسل عبثي طويل، قرر عدد من نازحي الجنوب أن يختبروا نظرية “الضيافة المفتوحة” عبر اقتحام مدرسة الفرير في قلب زقاق البلاط، أحد أحياء بيروت التي اعتادت على كل شيء… إلا أن تتحول ملاعب المدارس الخاصة إلى صالونات نرجيلة جماعية.
المشهد لم يكن عاديًا. الصفوف التي اعتادت همس التلاميذ وصوت الطباشير، استيقظت فجأة على أغاني “المقاومة” تصدح من هاتف موضوع على طاولة رياضيات، ونرجيلة معسّل تتوسط ملعب الرياضة كأنها مشروع تربوي جديد بعنوان: “التنشئة الوطنية عبر النيكوتين”.
دون شك، الوضع غير طبيعي. ودون شك، الشارع لم يعد يحتمل المزيد من الفوضى. لكن ما لا يدركه بعض المهجّرين أنهم خرجوا من بيئةٍ اعتادت أن تعتبر كل مساحة متاحة “حقًا مكتسبًا”، وكل بابٍ مقفل “سوء تفاهم يجب تصحيحه فورًا”. المدرسة؟ مساحة عامة. الصف؟ غرفة انتظار. ملعب الأطفال؟ استراحة مقاتلين سابقين على جبهة الحياة.
في نظرهم، هم “أهل البيت”، وعلى الجميع أن يتصرف كضيوف. قواعد الضيافة تنقلب رأسًا على عقب: المضيف يعتذر لأنه موجود أصلًا، وصاحب المكان يُلام لأنه تجرأ على الاعتراض.
النفايات على الطريق ليست سوى “أثر جانبي للمعاناة”. الموسيقى المرتفعة “تعبير عن الهوية”. التدخين داخل الحرم المدرسي “مسألة شخصية”. أما أهل المنطقة، فعليهم أن يتحلّوا بالصبر… كثير من الصبر… إلى أن يصبح الصبر مادة تُدرَّس بدل التاريخ.
لكن خلف السخرية، غضبٌ حقيقي يتراكم. غضب من جهة ترى نفسها مظلومة ومهجّرة ومضطرة. وغضب من جهة أخرى تشعر أنها تدفع ثمن سياسات لم تخترها، وسلاح لم تحمله، وقرارات لم تُستشر بها. كل طرف لديه روايته، وكل رواية تعتبر نفسها الحقيقة الكاملة غير القابلة للنقاش.
اليوم يجتمع لبنان في العاصمة، لكن ليس حول طاولة حوار، بل في مساحة متنازع عليها: من يملك الشارع؟ من يملك القرار؟ من يملك تعريف “الدولة” أصلًا؟ بين سلطة مال حزب، وسلطة دولة تبحث عن ظلها، يصبح المواطن تفصيلًا صغيرًا في نشرة أخبار طويلة.
المفارقة أن الجميع يعلن الدفاع عن الوطن، بينما الوطن نفسه يبدو كمدرسة اقتُحمت على حين غفلة: مقاعدها مكسورة، أرضها متسخة، وطلابها ينتظرون جرس نهاية الحصة… لكن لا أحد يعرف متى يرن.
الواقع مربك، يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم. اقتصاد منهار، سياسة متفجرة، شارع متوتر، وثقة تتآكل. كل فريق مستعد للقتال من أجل فكرته، لكن قليلين مستعدون للتنازل خطوة واحدة نحو الآخر.
ربما المشكلة ليست في من جلس على مقعد التلاميذ، بل في أن البلد كله أصبح صفًا بلا أستاذ، وصراخًا بلا منهج، وساحةً مفتوحة لمن يرفع صوته أكثر.
وفي انتظار أن يتفق الكبار، تبقى الطاولات شاهدة… بين كتابٍ مدرسيٍّ يحلم بمستقبل أفضل، ورأس نرجيلة يطلق دخانه في وجه الغد.