بقلم زكي طه
في لحظة استثنائية هي الأخطر منذ عقود، صدر قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، ومطالبته بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، وتكليف الجيش بتنفيذ القرار. لا مبالغة في وصف القرار بالتاريخي، لأنه يضع للمرة الأولى، مسألة احتكار الدولة للسلاح على سكة التنفيذ، بعد سنوات طويلة من الدوران في حلقة البيانات والمواقف والحوارات غير المنتجة.
لا شك أن قرار حزب الله ربط مصير لبنان بمصير النظام الإيراني في لحظة مواجهة أميركية ـ إسرائيلية مفتوحة، واضعاً البلاد أمام منعطف ربما هو الأخطر في تاريخها الحديث، لم يكن القرار خياراً دفاعياً لبنانياً، بل خياراً إقليمياً دفع اللبنانيون أثمانه من دمهم وبيوتهم واقتصادهم.
ملابسات القرار
التاريخ لا يُصنع بالقرارات وحدها، بل بالطريقة التي تُدار بها اللحظة التي تصدر فيها. وبين صدور القرار وفعاليته مسافة سياسية وأخلاقية ووطنية لا يجوز القفز فوقها.
صحيح أن أكثرية اللبنانيين التي لم تؤيّد حرب “إسناد غزة” التي قررها الحزب خلافاً لإرادتهم ومصالح بلدهم، هي من يرفض مشاركة الحزب بدعم إيران عسكرياً، لأسباب تتجاوز الحسابات الآنية، وموصولة بنتائج الحرب السابقة المتمثلة بالسيطرة العسكرية والأمنية الإسرائيلية القائمة، واستمرار الغارات والاغتيالات وتفجير المنازل، ورفض الانسحاب من المواقع المحتلة، بالتوازي مع دفتر شروط يبدأ بنزع سلاح حزب الله ولا ينتهي عند حدود الأمن، بل يمتد إلى محاولة فرض إرادة سياسية على لبنان برمّته.
ومن هذه الزاوية، يبدو قرار الحكومة استجابة لضرورات وطنية ملحّة، تتعلق بحماية ما تبقّى من الدولة، ومنع تحويل لبنان إلى ساحة حرب دائمة، واستعادة الحد الأدنى من السيادة. لكن صدور القرار في ظل ضغوط خارجية كثيفة، وفي لحظة عجز داخلي بنيوي، يفرض سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن ألا يتحول القرار، عملياً أو رمزياً، إلى غطاء لإسرائيل كي تتولى تنفيذ ما عجزت عنه الدولة اللبنانية؟
القرار والتنفيذ
لا يكتسب قرار الحكومة شرعيته الوطنية من المبادئ التي استند إليها، ولا من صياغته النصّية، بل من قابليته للتنفيذ. وأهميته تكمن في أنه صدر فيما تواصل إسرائيل عملياتها بذريعة عجز الدولة عن احتكار السلاح بوسائلها الشرعية. وخطورته لا تكمن في غياب الاجماع فحسب، بل في عدم القدرة على تنفيذه، لأن ذلك قد يحوّل الدولة شاهداً على ممارسات إسرائيل، على نحو يسهّل معه استدراج البلاد إلى صدام أهلي جديد بذريعة تطبيق القرار.
ويُضاف إلى ذلك، أن الجيش اللبناني، المكلّف تنفيذ القرار، هو المؤسسة الوطنية الجامعة الوحيدة المتبقية خارج الاصطفافات الحادّة. وتحميله مهمة بهذا الحجم، من دون مظلة سياسية جامعة، وخطة واضحة متدرجة ومقرونة بإجماع وطني، قد يضعه أمام استحقاق يفوق قدرته الموضوعية، ويدفعه إلى مواجهة مفتوحة مع شريحة واسعة من اللبنانيين.
هنا تبرز العقدة المركزية التي تواجه بيئة حزب الله ـ حتى تلك المتحفظة على قرار الحرب دعماً لإيران ـ بين عدم استسهال القبول بنزع السلاح في ظل انقسام أهلي عميق، ومناخ لا يساهم في بناء الثقة بالدولة بقدر ما يعمّق الخوف. ويؤكد ذلك التباين الحاد في مواقف قوى السلطة، التي تراوحت بين الدعوة إلى الحوار من مواقع الاعتراض أو الخصومة، وبين التشفي والانتقام من موقع العداء، وصولاً إلى المطالبة بحل الحزب. وهي ردود فعل لا تساعد على بناء مناخ وطني جامع بقدر ما تعمّق الانقسام.
غياب خطاب الدولة
في لحظة بهذا الحجم، لا يكفي أن يُتلى القرار. المطلوب خطاب وطني جامع موجّه إلى اللبنانيين جميعاً، وخصوصاً إلى النازحين والمتضررين وبيئة الحزب؛ خطاب دولة يصدر عن رجال دولة يقودون مرحلة انتقالية دقيقة.
كان يمكن ـ بل كان ينبغي ـ أن يتضمن الخطاب الغائب أربعة عناصر أساسية:
إقراراً صريحاً بالمسؤولية الوطنية المشتركة: اعتراف بأن اختلال التوازن بين الدولة والسلاح الخارج عنها كان نتيجة مسار طويل شاركت فيه أطراف متعددة.
تعهدات واضحة بحماية المواطنين كافة: والتأكيد أن مسار نزع السلاح لن يكون انتقامياً أو إذلالياً، بل انتقالاً منظماً إلى دولة القانون، مع ضمانات اجتماعية وأمنية حقيقية.
رفضاً علنياً للشروط الإسرائيلية: والتأكيد أن احتكار الدولة للسلاح هدف سيادي، لا استجابة لإملاءات عدو، وأن أي استمرار للعدوان مرفوض ومدان مهما كانت الذرائع.
خطة إنقاذ شاملة: تربط مسألة السلاح بخطة إصلاح اقتصادي ـ مالي، واستعادة الثقة، وإعادة الإعمار، كي لا يبدو القرار معزولاً عن معاناة الناس اليومية، ولا سيما النازحين منهم.
معضلة البيئة
الواقع أن أكثرية بيئة الحزب لا تريد الحرب التي فُتحت باسمها، لكنها تخشى أن يتحول نزع السلاح إلى مدخل لتهميشها سياسياً وأمنياً، بالتوازي مع خشيتها من شروط إسرائيل وأهدافها. هذه المخاوف لا تُعالج بالتجاهل أو التخوين، بل ببناء حاضنة وطنية جامعة تعترف بهذه البيئة كمكوّن لبناني كامل الحقوق، لا كملحق إقليمي ولا كخصم داخلي.
وما تواجهه هذه البيئة راهناً معادلة شديدة التعقيد، شعور بأن الحزب استخفّ بمصيرها حين ربطه بمصير إيران، يقابله شعور بعدم وجود بديل وطني موثوق يضمن الأمن والكرامة والحقوق. وما دامت الدولة لم تنجح في تقديم هذا البديل، سيبقى أي مسار لنزع السلاح هشّاً، ومصدراً دائماً للتأزّم والانفجار.
منطق الدولة وأوهام الغلبة
الدولة تُبنى بالتوافق والثقة، لا بمنطق الغلبة، حتى لو كانت لصالحها. واحتكار السلاح لا يستقيم إلا ضمن عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف الأمن الوطني باعتباره مسؤولية جماعية تحت سقف المؤسسات.
في المقابل، ليس جديداً القول، باستحالة استمرار معادلة “الدويلة داخل الدولة”. فقد أثبتت التجربة أن انتزاع قرار الحرب والسلم من المؤسسات الدستورية يحوّل البلاد إلى رهينة للحسابات الخارجية.
ولذلك يقف لبنان اليوم أمام احتمالين:
إما أن يتحول قرار الحكومة إلى بداية مسار سيادي إصلاحي شامل، يعيد بناء الدولة على قاعدة المساواة بين المواطنين واحتكار قرار الحرب والسلم وامتلاك السلاح، بالتوازي مع رفض ابتزاز الخارج.
وإما أن يتحول إلى خطوة شكلية تعمّق الانقسام الداخلي وتسهّل تزايد التدخلات والضغوط الخارجي التي تغطي العدوان الاسرائيلي على لبنان. والمعيار الفاصل بين الاحتمالين، يتمثل في قدرة الحكومة على إدارة المرحلة بروح المسؤولية الوطنية، لا بروح التشفي أو تسجيل النقاط. وليس في مخاطبة اللبنانيين كجماعات متقابلة، بل كشعب واحد مأزوم يبحث عن دولة تحميه وتضمن له حقوقه ومستقبله؟
في اللحظات الاستثنائية لا يكفي اتخاذ القرار الصحيح، الأهم هو الطريقة التي يُقدَّم بها، والسياق الذي يُنفَّذ فيه، والضمانات التي ترافقه.
ولذلك فإن تحويل قرار حصر الانشطة العسكرية والامنية ومطالبة حزب الله بتسليم سلاحه، إلى رافعة لبناء دولة عادلة وقادرة، يتطلب شجاعة سياسية مضاعفة: شجاعة في مواجهة منطق السلاح الخارج عن الدولة، وشجاعة في رفض تحويل الدولة إلى أداة هيمنة فئوية أو طائفية، أو إلى مطيّة لتنفيذ رغبات الخارج، أيّاً كان هذا الخارج.
وكما وأن لبنان لا يحتمل حرباً أهلية جديدة، فإنه أيضاً لا يحتمل استمرار الارتهان للخارج. بين هذين الحدّين تقع مسؤولية الحكومة ورئيسها في الارتقاء إلى مستوى اللحظة، والاكتفاء بتلاوة قرار، بل بقيادة مسار إنقاذ وطني شامل، يعيد تعريف السيادة بوصفها حماية لجميع اللبنانيين، لا سيفاً مسلطاً على بعضهم.