بقلم جاد الأخوي
يقف لبنان اليوم عند مفترق دقيق من تاريخه السياسي والوطني. فمن جهة، أعاد خطاب القسم والبيان الوزاري إحياء شعور عام بإمكانية استعادة هيبة الدولة وانتظام عمل مؤسساتها. ومن جهة أخرى، أعاد التطور الأمني الأخير طرح السؤال القديم – الجديد: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
قرار الحكومة الأخير شكّل، في ظاهره، مخرجاً مشرّفاً لمحاولة تحصين البلاد وإعادة تثبيت مرجعية الدولة. وقد اتُّخذ القرار السياسي داخل مجلس الوزراء، وأُعطي الأمر للمؤسسة العسكرية بالتنفيذ. غير أن العبرة، كما في كل المحطات المفصلية، تبقى في التنفيذ. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بوضوح: إذا كان القرار قد اتُّخذ، فلماذا لم يُنفَّذ حتى الآن؟
فالتجارب اللبنانية المتراكمة أثبتت أن النصوص والبيانات لا تكفي إذا لم تُترجم إلى سياسات واضحة وأفعال ملموسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمسألة سيادية بهذا الحجم.
لبنان الخارج بالكاد من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، لم يتعافَ بعد من تداعيات الانهيار المالي، ولا من جراح انفجار مرفأ بيروت، ولا من النزيف المستمر في طاقات شبابه الذين يهاجرون بحثاً عن مستقبل آمن. وفي ظل هذا الواقع الهش، يجد نفسه مجدداً مهدداً بالتحول إلى ساحة مواجهة إقليمية نتيجة قرارات تتجاوز المؤسسات أو لا تُنفَّذ رغم صدورها.
إن إسناد أي طرف إقليمي انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، بقرار أحادي خارج إطار الدولة، يطرح إشكالية دستورية وسيادية عميقة. فالدستور واضح لجهة أن قرار الحرب والسلم هو من صلاحيات الدولة مجتمعة، عبر مؤسساتها الشرعية. وأي تجاوز لهذا الإطار يضع البلاد أمام أمر واقع خطير، ويكرّس ازدواجية السلطة والقرار.
المسألة هنا لا تتعلق بشعارات أو تموضع سياسي، بل بكلفة إنسانية واجتماعية واقتصادية باهظة قد يدفعها اللبنانيون جميعاً. فاندلاع مواجهة واسعة يعني عملياً تهجير آلاف العائلات، وتعطّل المدارس والجامعات، وإنهاك المستشفيات التي تعاني أصلاً من نقص حاد في التمويل والمستلزمات، وانقطاعاً إضافياً في الخدمات الأساسية. كما يعني مزيداً من الضغط على العملة الوطنية، وارتفاعاً جديداً في الأسعار، وتراجعاً في فرص أي دعم أو استثمار خارجي.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا المسار قد يكرّس في الوعي الداخلي والخارجي صورة لبنان كدولة عاجزة عن ضبط قرارها السيادي، ما يفتح الباب أمام عقوبات أوسع وعزلة متزايدة. وفي الداخل، قد يؤدي إلى توترات إضافية بين اللبنانيين في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها إلى الحد الأدنى من التضامن الوطني.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل مشاهد المظاهر المسلحة التي تظهر بين حين وآخر خارج إطار الشرعية، والتي تترك أثراً بالغ السلبية على صورة الدولة وهيبتها. فبعد الإجراء الأمني الذي نُفّذ أخيراً حول أحد الفنادق في منطقة الحازمية، وظهور طوق أمني حزبي مسلح في منطقة مدنية، طُرح سؤال بديهي: إذا كانت الحكومة قد اتخذت قراراً واضحاً وأعطت الجيش الأمر بالتنفيذ، فلماذا ما زالت هذه المظاهر قائمة؟
إن أي انتشار مسلح خارج المؤسسات الرسمية، وأي استعراض أمني في منطقة آهلة بالسكان، يضرب مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة. وكان يفترض بالمؤسسة العسكرية، بوصفها الجهة الشرعية المخوّلة حصراً حفظ الأمن والدفاع عن السيادة، أن تترجم القرار السياسي إلى خطوات عملية تمنع أي مظهر مسلح خارج إطارها.
فالمسألة ليست مواجهة بين الجيش وأي طرف، بل تثبيت لمعادلة واضحة: لا أمن خارج الدولة، ولا سلاح خارج مؤسساتها. عندما يُترك المجال لظهور أطواق أمنية حزبية في مناطق مدنية، فإن الرسالة التي تصل إلى اللبنانيين وإلى الخارج على حد سواء هي أن القرار السياسي شيء، وتنفيذه شيء آخر.
وهنا يكمن جوهر الأزمة: لا يكفي أن يُتخذ القرار داخل مجلس الوزراء إذا لم يُحترم ويُطبّق. فالدولة لا تُقاس بنواياها، بل بقدرتها على فرض قراراتها على كامل أراضيها ومن دون استثناء.
ومن الضروري التأكيد أن تحميل أي طائفة لبنانية مسؤولية قرارات تتخذها جهة سياسية هو أمر مرفوض وخطير. فاللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم، ليسوا كتلة واحدة في مقارباتهم السياسية. وكثيرون، وخصوصاً داخل البيئة الشيعية نفسها، يعبّرون عن رغبتهم بدولة طبيعية تحتكر قرار السلاح وتحمي أبناءها بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية.
في هذا السياق، تتحمّل الحكومة مسؤولية مضاعفة. فالحياد لم يعد خياراً نظرياً، بل بات ضرورة وجودية في ظل الانهيار الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية. والمطلوب عملياً هو تثبيت حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وترجمة القرارات الصادرة عنها بلا تردد، وتفعيل خطط طوارئ إنسانية واضحة، والتحرك دبلوماسياً لتجنيب لبنان أي استهداف.
إن صدقية الدولة تُقاس بقدرتها على تنفيذ ما تقرره. وأي تلكؤ أو تردّد في تطبيق القرار السيادي سيعيد إنتاج الحلقة المفرغة التي دفع اللبنانيون أثمانها لعقود.
لبنان اليوم لا يحتمل حرباً جديدة. لا يحتمل مزيداً من الدم، ولا مزيداً من الانهيار. الأولوية يجب أن تكون لحماية الإنسان اللبناني، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الثقة الداخلية والخارجية.
المعادلة بسيطة في جوهرها: كلما تعزز تنفيذ القرار السيادي، تراجعت احتمالات الانفجار. وكلما بقي القرار حبراً على ورق، اقترب لبنان أكثر من حافة الهاوية.
بين هيبة الدولة ومنطق الساحات المفتوحة، يقف لبنان أمام اختبار حقيقي: هل تكون مؤسساته صاحبة الكلمة الفصل فعلاً، أم يبقى القرار معلّقاً بين النص والتطبيق؟
واللبنانيون، بعد كل ما مرّ عليهم، يستحقون دولة تحميهم لا أن تتردد في حماية نفسها.